لهجة وارش ترسم مسار الأسواق
المتداولون يتأهبون لتشديد آخر

أصبحت الأسواق أكثر اقتناعاً بأن الاحتياطي الفيدرالي سيقْدِم على رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، فيما لا تتوقف الأنظار عند القرار، إذ تراقب لهجة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش والتوقعات الاقتصادية، بحثاً عن إشارات تحدد ما إذا كانت الزيادة المرتقبة خطوة منفردة أم بداية دورة تشديد جديدة.
يبدو أن قرار البنك المركزي الأميركي «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» اليوم أصبح أقل أهمية من المسار الذي سيرسمه بعد القرار، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة.
ستصبح رسائل وارش والتوقعات الاقتصادية العامل الحاسم في تحديد اتجاه الدولار وعوائد السندات وبقية الأصول والأسواق العالمية خلال الأسابيع المقبلة.
لذا لن يتحدد اتجاه الأسواق بحجم الزيادة وحده، وإنما بالفارق بين ما سعّره المستثمرون مسبقًا وما سيقوله الاحتياطي الفيدرالي عن الخطوة التالية.
يمثل اجتماع سبتمبر اختباراً مبكراً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي تبنى في خطابه أمام منتدى «جاكسون هول» لهجة أكثر تشدداً تجاه التضخم، محذراً من أن البنك قد يحتاج إلى رفع الفائدة إذا لم يتحرك التضخم الأساسي بصورة مستدامة نحو هدف 2%.
في ظل تفضيل وارش عدم تقديم توجيه مستقبلي واضح بشأن مسار الفائدة، ستصبح صياغة البيان والمؤتمر الصحفي والتوقعات الاقتصادية أكثر أهمية للأسواق.
وتتمثل الرسالة التي يحاول المستثمرون فك شفرتها في سؤال واحد: يمثل رفع سبتمبر بداية دورة تشديد جديدة، أم تحركاً احترازياً لمواجهة موجة تضخم مؤقتة؟
انخفضت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر اليوم إلى 92.5%، مقابل نحو 93.5% أمس، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».
تراجعت احتمالات وصول الفائدة إلى مستوى أعلى بحلول اجتماع أكتوبر إلى 94%، مقابل 96.5%، فيما بلغت احتمالات أن يكون البنك نفذ زيادة واحدة على الأقل بحلول اجتماع ديسمبر نحو 98.7%، مقابل 99%.
واستقرت توقعات المتداولين لأن يكون الاحتياطي الفيدرالي قد رفع الفائدة بحلول يناير من العام المقبل عند 99.2%، بينما بلغت الاحتمالات للفترة الممتدة حتى اجتماع مارس نحو 99.7%.
يقول «سيتي ريسيرش»، رئيس استراتيجية الأسهم الأميركية سكوت كرونرت، إن رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بوتيرة كبيرة قد يُحدث صدمة صعودية في وول ستريت.
كتب كرونرت في مذكرة: «اقتراب عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من 5% وارتفاع أسعار النفط يزيدان المخاطر التي تواجه الأسهم».
كرونرت أضاف: «نرى أن رفعاً استباقياً من جانب الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة قد يسهم في تثبيت العوائد طويلة الأجل وتخفيف حالة عدم اليقين في السوق».
يرى كرونرت أن رفع سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس قد يُحدث صدمة إيجابية، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا يدعو الاحتياطي الفيدرالي إلى تنفيذ زيادة بهذا الحجم.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي لا يزال عاملاً أساسياً بالنسبة إلى أسهم الشركات الكبرى، في حين يزيد ارتفاع أسعار الفائدة تكاليف التمويل ويضغط على العوائد.
انضم «ويزدوم تري»، كبير الاقتصاديين جيريمي سيجل، إلى فريق المتوقّعين أن تأتي زيادة اليوم بنحو 25 نقطة أساساً، مستبعداً رفعاً بمقدار 50 نقطة، لأنه قد يمنح السوق انطباعاً بأن الاقتصاد في خطر ويرسل إشارة شديدة السلبية.
يدخل الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المرتقب في ظل تغير واضح في موازين المخاطر، بعدما كان سيناريو تثبيت الفائدة مطروحا بقوة في بداية الشهر.
دفعت بيانات التضخم الأخيرة عددا متزايدا من الاقتصاديين والمؤسسات المالية إلى ترجيح رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر.
وجاءت بيانات سوق العمل أقوى من التوقعات، ما قلل مبررات التحرك نحو تيسير السياسة النقدية.
أصبحت أسعار الطاقة عنصراً إضافياً في حسابات البنك، بعدما تجاوز النفط 100 دولار للبرميل وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية؛ ما يزيد خطر انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى التضخم المحلي.
تتوقع بنوك «غولدمان ساكس» و«جيه بي مورغان» و«إتش إس بي سي» و«دويتشه بنك» و«مورغان ستانلي» رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، بعدما بددت بيانات التضخم المرتفعة الرهان على التثبيت.
ويرجح «جيه بي مورغان» و«مورغان ستانلي» زيادة أخرى في ديسمبر، بينما يرى «غولدمان ساكس» أن البنك لن يرغب في مفاجأة سوق سعّر الرفع بالفعل، حتى مع استمرار احتمالات عودة الخفض خلال 2027.
لن تكون المفاجأة الكبرى في رفع الفائدة ربع نقطة، بعدما أصبحت الخطوة شبه محسومة في تسعير السوق، وإنما في الرسالة التي سيختار وارش توجيهها بشأن الاجتماعات المقبلة.
يرى «غولدمان ساكس» أن الاحتياطي الفيدرالي لن يرغب في مفاجأة الأسواق بعد تسعيرها زيادة ربع نقطة، مرجحا أن تصبح لهجة وارش العامل الحاسم في تحركات الأصول.
ويتوقع «جيه بي مورغان» رفع الفائدة في سبتمبر وديسمبر، مستندا إلى تعثر مسار خفض التضخم واستمرار قوة سوق العمل وتصاعد مخاطر انتقال أسعار الطاقة إلى الاقتصاد.
كذلك يرجح «مورغان ستانلي» زيادتين خلال العام، معتبراً أن صلابة الطلب وطفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي وارتفاع النفط تفرض إبقاء السياسة النقدية متشددة.