توقعات خفض أسعار الفائدة تتبخر مجدداً
قوة الدولار ومخاوف التضخم تخنق الذهب

لم يعد الذهب يتحرك كملاذ آمن، بل كأصل يُسعّر بالخوف والتضخم والحرب في آن واحد، حيث سقط الذهب صوب مستويات 4700 دولار للأونصة، وبات أسيراً للحرب الأوسع التي قد تندلع بعد إعلان واشنطن فرض حصار على مضيق هرمز، لتشتعل أسعار النفط ومعها مخاوف اشتعال التضخم التي أحيت آمال الدولار، وسط موجة واسعة من العزوف عن التداول في الأصول الأخرى.
وانخفضت أسعار الذهب اليوم الاثنين إلى أدنى مستوى لها منذ ما يقرب من أسبوع، تحت ضغط ارتفاع الدولار، في حين أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى تفاقم المخاوف بشأن التضخم وتراجع التوقعات بخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أسعار الفائدة هذا العام.
وقفزت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، مما أثار مخاوف التضخم، في الوقت الذي تستعد فيه البحرية الأميركية لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، الأمر الذي قد يحد من شحنات النفط الإيرانية بعد فشل الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
ومع تحوّل الدولار إلى أبرز الملاذات من المخاطر العالمية، أصبح الضغط على الذهب مضاعفاً، في وقت لم يعد النفط مجرد سلعة طاقة، بل أصبح محركاً مباشراً لإعادة تسعير الأصول العالمية، إذ أن كل ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يعيد إحياء سيناريو الفائدة الأعلى لفترة أطول.
ويرى المتعاملون الآن أن فرص خفض أسعار الفائدة الأميركية هذا العام ضئيلة، إذ يهدد ارتفاع أسعار الطاقة بتغذية التضخم على نطاق أوسع، والحد من نطاق التيسير النقدي.
وقبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، كانت هناك توقعات بخفض أسعار الفائدة مرتين من قبل المركزي الأميركي هذا العام.
ورد الحرس الثوري الإيراني على إعلان واشنطن حصار مضيق هرمز بالتحذير من أن السفن العسكرية التي تقترب من المضيق ستُعتبر منتهكة لوقف إطلاق النار، وسيتم التعامل معها بصرامة، مما يشير إلى احتمال حدوث تصعيد خطير.
وبحسب أداة تتبع أسعار الفائدة «فيد ووتش»، تتوقع الأسواق الآن رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة مرة واحدة هذا العام.
قال تاجر المعادن المستقل تاي وونغ: «كنا نتوقع معركة شرسة قبل الوصول إلى مستوى خمسة آلاف دولار مع إعلان وقف إطلاق النار في الأسبوع الماضي».
وأضاف وونغ: «حصار المضيق إشارة خطيرة لا تصب في مصلحة الذهب، أسعار النفط تعود للارتفاع ومعها يصعد الدولار، ما يضغط على المعدن الأصفر».
أدى وقف إطلاق النار إلى وقف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكنه لم يخفف بعد الحصار المفروض على مضيق هرمز أو ينهي الصراع الموازي بين إسرائيل وإيران.
وقال مدير قسم تداول المعادن في شركة «هاي ريدج فيوتشرز» ديفيد ميجر: «مع اشتعال حدة التوتر في الشرق الأوسط، زادت التوقعات باحتمال رفع أسعار الفائدة في وقت ما، ما رفع الدولار الأميركي وشكل ضغطاً قوياً على الذهب».
في الأسبوع الماضي انخفض الدولار أكثر من 2%، ما جعل الذهب المقوم بالعملة الأميركية أرخص لحائزي العملات الأخرى، وعزز صعود أغلب الأصول المقومة بالعملة الأميركية.
وأشار ميجر إلى زيادة الطلب على الذهب في الهند هذا الأسبوع قبل احتفال رئيسي، لكن ارتفاع الأسعار أثر سلباً على المعنويات وانخفضت العلاوات في الصين.
قال المحلل لدى «بنك يو.بي.إس» جيوفاني ستونوفو: «ارتفاع الدولار يضغط الذهب مع اشتعال توقعات ارتفاع التضخم، وزيادة التوقعات برفع أسعار الفائدة بعد الإعلان عن حصار المضيق».
وبعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، هوت أسعار النفط بأكثر من 17% إلى ما دون 100 دولار للبرميل، وتراجع الدولار أكثر من 1% إلى أدنى مستوى له في شهر، ما أدى إلى ارتفاع الذهب.
ورغم أن المعدن النفيس يعد وسيلة للتحوط من التضخم والضبابية، فإن الإقبال عليه يتراجع في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.
قال ستونوفو: «انقلبت التوقعات مع اندلاع الحرب وارتفاع أسعار النفط، ومع استمرار ارتفاع الدولار، يبقى اتجاه الذهب مرهوناً بمسار التضخم وأسعار الفائدة».
وكتب ستونوفو من «يو.بي.إس» في مذكرة: «ما زالت توقعاتنا للذهب إيجابية، وأنه سيصل إلى 5900 دولار للأونصة بحلول نهاية العام، مدفوعاً بالطلب على التنويع بسبب ارتفاع مستويات الديون».
في غضون ذلك، لم يعد الذهب يتحرك كملاذ آمن تقليدي، بل كأصل شديد الحساسية لأي تغير في مزيج الحرب والفائدة، وهو ما يبقيه عرضة لتحركات حادة في الاتجاهين، إذ أنه لا يتحرك اليوم في فراغ، بل داخل معادلة معقدة عنوانها: الحرب، الدولار، والتضخم.