
لطالما شكّل الاستثمار العقاري إحدى الركائز الأساسية لبناء الثروة عبر الأجيال، غير أن هذا المسار لا يتخذ شكلاً واحداً يناسب الجميع، فالقطاع ينقسم بوضوح إلى شقين رئيسيين: العقارات السكنية والعقارات التجارية.
على مدى عقود، وجد المستثمرون الأفراد في العقارات السكنية مدخلاً أكثر سهولة، بفضل انخفاض حجم الاستثمارات المطلوبة نسبياً. ففي الإمارات، يبلغ متوسط سعر فيلا مكونة من ثلاث غرف نحو 1.5 مليون درهم، وهو مبلغ يمكن أن يتحمله ما يقرب من نصف مليون شخص من سكان الدولة البالغ عددهم نحو 11.3 مليون نسمة. لكن عندما يتعلق الأمر بالعقارات التجارية – مثل المكاتب والمتاجر والمستودعات – فإن الحاجز الأكبر أمام المستثمرين الأفراد يبقى ارتفاع متطلبات رأس المال.
تشمل العقارات التجارية المباني والمساحات المخصّصة للأعمال مثل المكاتب والمتاجر والمستودعات. ويحقق المستثمرون دخلاً من خلال تأجير هذه المساحات للشركات، وغالباً ما تمتاز العقارات التجارية بعقود إيجار أطول، وعوائد إيجار أعلى، إضافة إلى إمكانات أكبر للنمو مقارنة بالعقارات السكنية غير أن تكلفتها تبقى أكبر.
في مايو الماضي، جمع صندوق مساكن دبي للاستثمار العقاري (REIT) حوالي 2.14 مليار درهم عبر الاكتتاب العام الأولي (IPO)، ما أتاح للمستثمرين الأفراد فرصة دخول سوق العقارات السكنية من خارج الفئة التقليدية. وفي الاتجاه ذاته، أعلن خالد جاسم محمد بن كلبان، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة دبي للاستثمار، عن نية الشركة طرح أسهم مجمع دبي للاستثمار (DIP) في اكتتاب عام أولي خلال فبراير 2026.
أُنشئ المجمع في أواخر التسعينيات، ويمتد على مساحة تقارب 8.9 أميال مربعة، ويضم مزيجاً من المناطق الصناعية والتجارية والسكنية. يقع بالقرب من مطار آل مكتوم الدولي الذي يخضع لخطط توسعة بقيمة 35 مليار دولار. ويتميز المجمع بنسبة إشغال تتجاوز 90% مع عقود إيجار متعددة وفرص لنمو إيرادات التأجير.
تشير بيانات دبي للاستثمار إلى أن نحو 60% من مساحة المجمع مخصّصة للعقارات الصناعية، و8% للعقارات التجارية، فيما تستحوذ العقارات السكنية على 32%. وتخطط الشركة لبيع حصة قدرها 25% من المشروع. وبحسب وكالة بلومبرغ، من المتوقع أن تتراوح القيمة السوقية للمجمع بين 8 و10 مليارات درهم، ما قد يُدر عوائد بين 2 و2.5 مليار درهم من الطرح. ومنذ إعلان الخبر، ارتفع سهم دبي للاستثمار إلى 3.01 درهم (وقت كتابة المقال)، وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 2015.
يرتكز الطرح على ميزة استراتيجية تتمثل في قرب المجمع من الموانئ البحرية ومرافق الطيران، وهو مزيج سبق أن أثبت نجاحه في منطقة ديرة، التي كانت مركزاً للتجارة البحرية في خمسينيات القرن الماضي. واليوم، يتميز المجمع بقربه من ميناء جبل علي والمنطقة الحرة بجبل علي (جافزا)، إضافة إلى مطار آل مكتوم الدولي.
يُعتبر ميناء جبل علي من أكبر وأهم الموانئ في العالم، وهو الذي يعزز مكانة الإمارات كمركز لوجستي عالمي. في عام 2023، ساهم قطاع النقل والتخزين بنحو 11.5% من الناتج المحلي لدبي. وكجزء من أجندة دبي الاقتصادية D33، تخطط الإمارة لتصبح ضمن أفضل 5 مراكز لوجستية عالمية، مع دور محوري لميناء جبل علي في تحقيق هذا الهدف.
بلغ حجم المناولة في الميناء عام 2024 نحو 15.5 مليون حاوية مكافئة (TEUs)، بزيادة 7% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ 2015، في وقت لم يسجل فيه النمو العالمي سوى 0.3% وفقاً لتقرير "درويري جلوبال". وفي النصف الأول من 2025، بلغ حجم المناولة 7.77 مليون حاوية بزيادة 6.5%.
يمثل الميناء موقعاً استراتيجياً بين الخليج العربي والمحيط الهندي، ما يمنحه ميزة كبرى في أنشطة إعادة التصدير التي بلغت قيمتها 171.9 مليار درهم في دبي خلال النصف الأول من 2024، بزيادة 18%. كما أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الأجندة الوطنية لتطوير إعادة التصدير 2030، التي تهدف إلى مضاعفة قيمة إعادة التصدير بحلول 2030 وزيادة القيمة المضافة بنسبة 50%.
في الوقت نفسه، تشهد المنطقة الحرة في جبل علي نمواً في معدلات الإشغال، إذ ارتفع إشغال المستودعات إلى %96 عام 2024 مقابل %93 في 2023، فيما صعد إشغال المكاتب إلى %83 من %70، ويُتوقع أن تعزز الاستثمارات الحكومية في القطاع الصناعي هذا الزخم.
في الربع الثاني من 2024، وافق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على مشروع إنشاء مطار آل مكتوم الدولي – دبي وورلد سنترال، بتكلفة تقارب 128 مليار درهم، من المتوقع أن يكون المطار أكبر بخمس مرات من مطار دبي الدولي الحالي، مع 5 مدارج وقدرة استيعابية تبلغ 150 مليون مسافر سنوياً خلال العقد المقبل، لترتفع لاحقاً إلى 260 مليون مسافر و12 مليون طن من البضائع سنوياً.
لطالما واجه المستثمرون الأفراد صعوبة في دخول سوق العقارات التجارية ذات العوائد المرتفعة، ومع الطرح المرتقب لمجمع دبي للاستثمار، قد يكون هذا الطرح بمنزلة الفرصة الذهبية التي طال انتظارها، فالنموذج الاستثماري لـDIP يستند إلى قربه من ميناء جبل علي ومطار آل مكتوم الدولي، وهو مزيج ثبت نجاحه في تاريخ دبي التجاري، ومع خطط التوسع في قطاعات النقل واللوجستيات والتصنيع، يبدو أن المجمع على موعد مع مستقبل استثماري واعد.