في خطوة استراتيجية جريئة، أعلنت شركة «تويوتا موتور» اليابانية عن تحويل «سنشري» (Century) إلى علامة تجارية مستقلة تركز على قطاع «الفخامة الفائقة» (Ultra-Luxury)، لتتموضع بذلك فوق علامتها الفاخرة الحالية «لكزس» (Lexus).
هذا القرار الذي تزامن مع إطلاق طراز (SUV) جديد من «سنشري»، يمثل تحولاً نوعياً في استراتيجية تويوتا العالمية، ويثير تساؤلات اقتصادية عميقة حول توقيت القرار، وحجم السوق المستهدف، والقدرة التنافسية للعلامة اليابانية العريقة في مواجهة العمالقة الأوروبيين مثل «رولز رويس» و«بنتلي».
سيارة «لكزس إل إكس 570» الفاخرة، إصدار سنة 2025 المصدر: موقع لكزس
لماذا الآن؟
يمكن تفسير قرار «تويوتا» بفصل «سنشري» في هذا التوقيت من خلال عدة عوامل اقتصادية واستراتيجية، بحسب تحليلات موقعي «فوربس» و«أوتوبلوغ»:
- الاستفادة من نمو قطاع «الفخامة الفائقة»:
رغم التحديات الاقتصادية العالمية، يظل قطاع الفخامة الفائقة مرناً ومحصناً نسبياً ضد التقلبات، فالأثرياء حول العالم يواصلون الإنفاق على المنتجات الحصرية والمصممة حسب الطلب، وتويوتا تسعى للاستحواذ على حصة من هذا السوق المربح جداً، والذي يتميز بهوامش ربح مرتفعة للغاية.
- توسيع الانتشار العالمي:
لطالما كانت «سنشري» سيارة مخصصة للسوق اليابانية، تُعرف بـ «رولز رويس اليابان»، وتُستخدم من قبل الإمبراطور ورجال الأعمال رفيعي المستوى، وقرار تحويلها إلى علامة مستقلة، وإطلاق طراز (SUV) عالمي، هو محاولة واضحة لـ عولمة العلامة واستغلال سمعتها الأسطورية خارج اليابان.
- رفع سقف الفخامة فوق لكزس:
رغم نجاح «لكزس» الهائل، إلا أنها تظل في قطاع السيارات الفاخرة وتنافس «مرسيدس بنز» و«بي إم دبليو».
ولتتمكن تويوتا من دخول مستوى الفخامة الفائقة الذي تسيطر عليه «رولزرويس» و«بنتلي»، كان لا بد من إنشاء علامة جديدة ذات هوية حصرية ومستقلة، لا ترتبط بعلامة «لكزس» ذات الإنتاج الضخم نسبياً.
«لكزس» تواجه الفخامة الفائقة
تظهر أرقام المبيعات التالية بوضوح الفجوة الهائلة بين قطاع السيارات الفاخرة المتمثل بـ«لكزس»، وقطاع الفخامة الفائقة بهيمنة «رولزرويس» و«بنتلي»، وهو ما يبرر الحاجة إلى استراتيجية مختلفة لـ«سنشري»:
- مبيعات «لكزس»: حققت العلامة التابعة للعملاقة تويوتا، مبيعات قياسية بلغت 851214 وحدة عالمياً في عام 2024، بمتوسط سعر يتراوح ما بين (50 ألف دولار – 100 ألف دولار)، ما يؤكد نجاحها في سوق السيارات الفاخرة ذات الإنتاج الكبير.
- مبيعات «سنشري»: كانت مبيعات «سنشري سيدان» مقتصرة على السوق الياباني وبأعداد محدودة جداً، حيث كان الهدف الإنتاجي حوالي 600 سيارة سنوياً، بمتوسط سعر يبلغ 170 ألف دولار، وبعض التقارير تشير إلى أن الإنتاج الفعلي كان أقل من ذلك بكثير حوالي 200-300 وحدة في السنوات الأخيرة.
- الفخامة الفائقة: إجمالي مبيعات «رولزرويس» و«بنتلي» معاً لا يتجاوز 17 ألف سيارة سنوياً. هذا السوق لا يعتمد على الحجم، بل على الحصرية والتخصيص وهوامش الربح الضخمة، حيث يبلغ متوسط سعر يتراوح ما بين 200 ألف دولار و 500 ألف دولار، بحسب الفئة والمواصفات.
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تجمع كل «رولز رويس» و«بنتلي» وتويوتا «سنشري» المصدر: إرم بزنس
الحصرية اليابانية
تعتمد استراتيجية «سنشري» الجديدة على مبدأين أساسيين:
- الحصرية والإنتاج المحدود: تويوتا أعلنت أن طراز «سنشري» (SUV) الجديد سيستهدف حجم مبيعات أساسي يبلغ 30 وحدة شهرياً في اليابان (360 وحدة سنوياً). هذا الإنتاج المحدود للغاية يضمن الحصرية ويحافظ على القيمة العالية للعلامة، ويضعها مباشرة في فئة الإنتاج حسب الطلب التي تتميز بها «رولزرويس».
- الروح اليابانية (Omotenashi): تروج تويوتا لـ«سنشري» على أنها تجسيد للفخامة على الطريقة اليابانية، مع التركيز على مبدأ «أوموتيناشي» (Omotenashi) الذي يعني الضيافة اليابانية، والتي تتوقع احتياجات الضيف قبل أن يطلبها. هذا التميز الثقافي هو ما تأمل تويوتا أن يميز «سنشري» عن الفخامة البريطانية التقليدية المتمثلة بـ«رولزرويس».
رهان على القيمة لا الكمية
قرار تويوتا بتحويل «سنشري» إلى علامة مستقلة هو رهان استراتيجي على القيمة بدل الكمية، فالعملاقة التي تسيطر عالمياً على سوق السيارات بالإنتاج الضخم والموثوقية، تسعى الآن لإثبات قدرتها على المنافسة في قمة الهرم حيث لا تُقاس المنافسة بعدد الوحدات المباعة، بل بمستوى الحصرية والتخصيص والربحية.
من الناحية الاقتصادية، فإن هذا التحول يستهدف:
- زيادة متوسط سعر البيع: كل سيارة «سنشري» تُباع بهامش ربح أعلى بكثير من أي سيارة «لكزس».
- تعزيز صورة المجموعة: وجود علامة تجارية في قمة الفخامة يعزز الصورة العامة لـ«تويوتا» و«لكزس» ككل.
يتوقع خبراء في السوق وفق تحليل لموقع «أوتوبلوغ»، أنه إذا نجحت «سنشري» بترسيخ نفسها كرمز للفخامة اليابانية الحصرية في الأسواق العالمية، وخاصة في أسواق الثراء الجديدة في آسيا والشرق الأوسط، فإنها ستكون قد حققت لـ«تويوتا» مكاسب استراتيجية ومالية تتجاوز بكثير أرقام مبيعاتها المتواضعة.