
في أحد شوارع برلين الهادئة، يقف حسين كوجو يتفقد مستودع شركته الذي يعجّ بالبضائع المستوردة لتلبية الطلب المتزايد.. قبل سنوات قليلة، لم يكن يتخيّل أنه سيصل إلى هنا.
جاء من حلب إلى ألمانيا لاجئاً بعد الحرب، عمل في مطاعم البيتزا والمخابز، ثم وجد نفسه يدير شركة صغيرة باسم «تورينو».
اليوم، توسّعت هذه الشركة إلى سبعة فروع، وتوظّف أكثر من 20 شخصاً، وتدفع مئات الآلاف من اليوروهات كضرائب سنوية.
يقول كوجو: «هذا ليس مجرد عمل تجاري، بل مساهمة حقيقية في الاقتصاد الألماني، نحن جزء من هذا البلد ولسنا عبئاً عليه».
منذ أكثر من عقد، شكّلت ألمانيا الوجهة الأبرز لعشرات آلاف السوريين الفارين من الحرب.
واليوم، لم يعد حضورهم مقتصراً على قصص اللجوء والاندماج، بل أصبحوا جزءاً فاعلاً من الاقتصاد، يسدّون نقصاً في اليد العاملة، ويفتحون شركات ومطاعم ناجحة، ويحوّلون قصص النزوح إلى قصص استثمار.
التقت «إرم بزنس» في برلين كلاً من حسين كوجو صاحب شركة تجارية في أوروبا، وسامر حافظ صاحب مطعم سوري في برلين، وإسماعيل جوخدار طبيب جرّاح، ليروا بأنفسهم كيف تحوّلوا من لاجئين إلى مساهمين في أحد أقوى الاقتصادات الأوروبية.
حسين كوجو، الذي نشأ في حلب ضمن عائلة صناعية وتجارية، لم يكن يتوقع أن يصبح يوماً صاحب شركة تُوزّع منتجاتها في مختلف أنحاء أوروبا.
بعد سنوات من العمل في تركيا، ثم وصوله إلى ألمانيا، بدأ من الصفر، عمل في المطاعم والمخابز، قبل أن يتعرّف على شركة صغيرة تحمل اسم «تورينو».
ومع الوقت، تولى إدارتها ونجح في توسيعها من فرع واحد إلى سبعة فروع.
في قلب برلين، لا يخلو مطعم «Aleppo Supper Club» من الزبائن.
قبل سنوات، جاء مؤسسه سامر حافظ لاجئاً عبر البحر بعدما فقدت عائلته كل شيء في الحرب.
بدأ حياته الجديدة في ألمانيا من أبسط الأعمال، ويواجه صعوبات يومية في اللغة والاندماج والعمل. ومع ذلك، لم يتوقف.
خطوة بخطوة، انتقل من عامل بسيط إلى صاحب مشروع تموين صغير، ثم أسس مطعمه الأول.
اليوم، يقف سامر على رأس ثلاثة فروع ناجحة، يوفّر من خلالها فرص عمل ويدفع الضرائب، ليصبح لاعباً حقيقياً في الاقتصاد المحلي.
يقول: «مطاعمي ليست مجرد مكان لتقديم الطعام، بل مؤسسات صغيرة تدعم الاقتصاد الألماني وتبني جسوراً بين الثقافات».
أما إسماعيل جوخدار، فقد جاء لاجئاً إلى ألمانيا ليكمل مساره كطبيب جرّاح.
عند وصوله، واجه سوقاً تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية، ما فتح الباب أمامه وأمام مئات الأطباء السوريين للاندماج بسرعة في النظام الصحي.
يقول إسماعيل: «القطاع الصحي الألماني كان بحاجة ماسة إلى أطباء، والسوريون لعبوا دوراً أساسياً في سدّ هذا النقص. اليوم نحن نعمل ونقدّم خدمة مباشرة للمجتمع، وهذا بحد ذاته مساهمة كبيرة».
قصص كوجو وحافظ وجوخدار تعبّر عن تحوّل أوسع في ألمانيا، اللاجئون الذين جاؤوا هرباً من الحرب، لم يعودوا عبئاً على الدولة، بل قوة إنتاجية.
من التجارة إلى المطاعم وصولاً إلى الطب، وسواها من المهن والقطاعات، يساهم السوريون اليوم بدفع عجلة الاقتصاد، ويدمجون خبراتهم وثقافتهم في بنية المجتمع الألماني.