
أظهر قطاع البتروكيماويات السعودي مؤشرات تحسن محدودة خلال الربع الأول من العام الجاري مدعوماً بارتفاع الأسعار العالمية، إلا أن التحديات التشغيلية المرتبطة بتعطل مسارات التصدير عبر «مضيق هرمز» واستمرار اختلالات العرض والطلب في الأسواق العالمية لا تزال تلقي بظلالها على آفاق القطاع، وفق تقديرات محللين ومؤشرات أداء الشركات المدرجة.
ذكر موقع AGBI أن أزمة الملاحة المستمرة في «مضيق هرمز» أفرزت تأثيرات متباينة على الصناعة البتروكيماوية السعودية؛ فمن جهة، أسهمت القفزة في الأسعار العالمية في انتشال هوامش الربحية من مستويات متدنية تاريخياً، ومن جهة أخرى حدّت القيود اللوجستية من قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق الخارجية، ما فرض ضغوطاً إضافية على عمليات التصدير وسلاسل الإمداد.
دفعت هذه التطورات الشركات إلى إعادة ترتيب شبكات النقل والتصدير، عبر الاستفادة بشكل أكبر من خط أنابيب «شرق–غرب» الرابط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع على البحر الأحمر، إلى جانب دراسة خيارات نقل بعض المنتجات البتروكيماوية بالشاحنات إلى موانئ التصدير على الساحل الغربي للمملكة.
بحسب حسابات موقع (AGBI)، سجلت ثماني شركات بتروكيماويات سعودية مدرجة خسائر صافية مجمعة بلغت 244 مليون دولار خلال الربع الأول، مقارنة بخسائر بلغت 271 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعكس تحسناً نسبياً في الأداء المالي للقطاع.
في مقدمة الشركات التي استفادت من تحسن ظروف السوق، تحولت شركة «سابك»، المعروفة رسمياً باسم «الشركة السعودية للصناعات الأساسية»، من تسجيل خسارة قدرها 323 مليون دولار قبل عام إلى تحقيق أرباح فصلية بلغت 3.5 مليون دولار خلال الربع الأول.
جاء هذا التحسن رغم انخفاض إيرادات الشركة بنسبة 11% على أساس سنوي إلى نحو 7 مليارات دولار، في وقت تواصل فيه «سابك»، التي تعد سابع أكبر منتج للكيماويات عالمياً من حيث المبيعات، مواجهة تحديات مرتبطة بتراجع أحجام المبيعات وتعطل بعض مسارات التصدير.
قال أوليفر كونور، مدير أبحاث أسهم الطاقة لدى بنك «سيتي غروب» (Citigroup)، إن نتائج «سابك» خلال الربع الأول جاءت أفضل من المتوقع نسبياً، لكنها لم تعكس سوى جزء محدود من تأثير ارتفاع الأسعار واضطرابات التصدير، مشيراً إلى أن الأنظار تتجه حالياً نحو أداء الربع الثاني لتقييم الأثر الكامل لهذه المتغيرات على ربحية الشركة.
وأضاف أن البنك لا يزال يتبنى نظرة محايدة تجاه سهم «سابك» مع سعر مستهدف يبلغ 58 ريالاً للسهم.
أظهرت البيانات تراجع أحجام مبيعات «سابك» من المنتجات البتروكيماوية بنسبة 12% مقارنة بالربع السابق، في حين ارتفعت الأسعار بنحو 6% خلال الفترة ذاتها.
يشكل قطاع البوليمرات ما يقرب من 70% من إجمالي مبيعات الشركة البتروكيماوية، وهي منتجات يمكن إعادة توجيه جزء منها إلى أسواق الخليج أو نقلها براً إلى موانئ البحر الأحمر. أما النسبة المتبقية البالغة 30% فتتكون من منتجات سائلة مثل الميثانول وأحادي إيثيلين الغليكول، وهي منتجات تعتمد بصورة كبيرة على النقل البحري ويصعب تخزينها لفترات طويلة، ما جعلها أكثر تأثراً بقيود التصدير الحالية.
يرى كونور أن ارتفاع الأسعار ساهم في تخفيف أثر تراجع الكميات المباعة، إلا أن التحدي الأساسي لا يزال يتمثل في قدرة المنتجين على إيصال منتجاتهم إلى الأسواق الخارجية بالكميات المطلوبة.
لا تخلو البدائل اللوجستية من أعباء إضافية، إذ يتطلب نقل كميات كبيرة من المنتجات البتروكيماوية إلى موانئ البحر الأحمر عمليات نقل بري واسعة النطاق ترفع التكاليف التشغيلية بشكل ملموس.
في هذا السياق، أوضح أليكس إستيفانوس، مدير أبحاث الأسهم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى مجموعة «يو بي إس» (UBS)، أن ارتفاع أسعار البتروكيماويات لا يترجم تلقائياً إلى تحسن في أوضاع المنتجين، لأن العامل الحاسم يتمثل في القدرة على تصدير المنتجات وتكاليف إيصالها إلى الأسواق النهائية.
وأضاف أن تكاليف الشحن البحري والتأمين شهدت ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، ما قلص جانباً من المكاسب الناتجة عن ارتفاع الأسعار.
رغم التحسن النسبي في نتائج الربع الأول، يرى محللون أن القطاع لا يزال يواجه تحديات هيكلية أعمق ترتبط بفائض المعروض العالمي وضعف نمو الطلب.
وأشار إستيفانوس إلى أن معظم أسواق البتروكيماويات العالمية لا تزال تعاني من طاقات إنتاجية فائضة، وهو وضع مرشح للاستمرار في المدى المنظور، ما يحد من فرص حدوث انتعاش مستدام في الأسعار وهوامش الربحية.
كما حذر كونور من أن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في الدول المستوردة للطاقة، لا سيما في آسيا، وهو ما قد ينعكس سلباً على الطلب العالمي على المنتجات البتروكيماوية.
تزداد هذه المخاوف مع اقتراب دخول طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق خلال عامي 2027 و2028، بالتزامن مع بدء تشغيل مشاريع ومجمعات صناعية جديدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعميق اختلال التوازن بين العرض والطلب.
في هذا الإطار، قال صلاح الحريقي، نائب الرئيس التنفيذي للمالية لشركة «سابك»، إن فائض الطاقة الإنتاجية على مستوى الصناعة لا يزال يشكل أحد أبرز العوامل الضاغطة على أداء القطاع وربحيته.
على مستوى الشركات، أظهر تحليل (AGBI) أن أربع شركات من أصل ثماني شركات مدرجة حققت أرباحاً خلال الربع الأول، مقابل أربع شركات سجلت خسائر.
وتصدرت «الشركة المتقدمة للبتروكيماويات» قائمة الشركات الرابحة بصافي أرباح بلغ 8 ملايين دولار، فيما سجلت «شركة كيان السعودية للبتروكيماويات» أكبر خسارة بصافي بلغ 164 مليون دولار.
كما تباين أداء أسهم الشركات منذ بداية العام بصورة لافتة، إذ تراوحت التحركات بين تراجع سهم «شركة تكوين المتطورة للصناعات» بنسبة 19% وارتفاع سهم «شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات - ينساب» بنسبة 38%.
ويرى محللون أن الموقع الجغرافي لمنشآت «ينساب» على ساحل البحر الأحمر منح الشركة أفضلية نسبية مقارنة ببعض المنافسين، إذ حدّ من تأثر عملياتها بالاضطرابات الملاحية التي تشهدها منطقة الخليج، وساعدها على الحفاظ على مرونة أكبر في عمليات التصدير والوصول إلى الأسواق العالمية.