
بعد 15 عاماً من الأضرار البالغة بالبنية التحتية للطاقة وتقليص الإنتاج وتكرار انقطاعات الكهرباء، تسارع سوريا الوقت لتعظيم شراكاتها العالمية لتطوير حقول الغاز.
ويتوقع خبراء طاقة واقتصاد في سوريا تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن يسهم النمو في إمدادات الغاز محليا في البدء بإنهاء أزمة الطاقة تدريجياً وصولاً لانتهائها حال تم توسيع الشراكات الدولية في قطاع الطاقة، مؤكدين أنه يمكن اعتبار ذلك من أكثر رهانات التعافي الاقتصادي واقعية في المرحلة الحالية مع ملاحظة آثاره الإيجابية تدريجياً على قطاع الكهرباء.
وفي 16 يونيو الجاري، وقّعت الشركة السورية للبترول، عقداً يعد الأول من نوعه من سقوط نظام بشار الأسد مع شركتي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» الأميركيتين، بهدف تطوير عدد من حقول الغاز في سوريا، وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة، بهدف دعم منظومة الطاقة، وتعزيز إمدادات الغاز اللازمة لقطاع الكهرباء، والقطاعات الحيوية الأخرى، وفق بيان من وزارة الطاقة السورية آنذاك.
وقتها أكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أن الاتفاق مع الشركتين الأميركيتين بحصة 56% لدمشق و44% للشركتين يهدف إلى زيادة إنتاج الغاز السوري بما يتراوح بين 4 و5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام، مشيراً إلى أن ذلك سيسهم في تحسين كفاءة منظومة الطاقة وتعزيز إمدادات الكهرباء، ما يعزز إنتاج سوريا من الغاز ويقلل اعتمادها على استيراد الغاز اللازم لمحطات الكهرباء.
في ديسمبر 2025، صرّح وزير الطاقة السوري محمد البشير بأن سوريا تتوقع ارتفاع إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى 15 مليون متر مكعب بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7 ملايين متر مكعب حالياً.
وتحاول سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، مواجهة أزمة النقص الشديد في الطاقة والوقود، مع تراجع إنتاج الغاز من مستويات قاربت 30 مليون متر مكعب يومياً في عام 2010 ليصل حالياً إلى ما بين 8 و10 ملايين متر مكعب يومياً، وسط تقديرات غير رسمية، تقدر احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في البلاد بنحو 8.5 تريليون قدم مكعبة (نحو 240 مليار متر مكعب).
وتعاني سوريا من عجز بالكهرباء يصل إلى 80% من احتياجاتها الفعلية، مما يؤدي إلى فترات تقنين قاسية لا تتجاوز فيها ساعات التغذية بضع ساعات يومياً في معظم المحافظات في ظل أضرار جسيمة تعرضت لها أكثر من 50 محطة توليد للتدمير، وتحتاج إلى مبالغ إجمالية تُقدّر بنحو 40 مليار دولار، بحسب تقديرات رسمية سابقة.
وسبق أن وافق البنك الدولي، في عام 2025 على منحة تقدر بـ146 مليون دولار، سيتم توجيهها لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية للمحولات الكهربائية المتضررة.
يرى الأكاديمي الاقتصادي، والخبير السوري في شؤون الطاقة، زياد أيوب عربش، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن هناك رهاناً سورياً على نمو إمدادات الغاز المحلي في سوريا، مؤكداً أن «مستقبل هذا الرهان إيجابي وممكن التحقّق، لكنه طويل الأمد ومحفوف بتحديات زمنية وتقنية».
وعلى المدى القريب (سنة ونصف) من المتوقع زيادة أولية تتراوح بين 4-5 ملايين م³/يومياً، مع التركيز على تحسين كفاءة الحقول القائمة وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، بحسب تقديرات عربش.
و على المدى المتوسط (3-4 سنوات) يمكن الوصول، وفقاً لخبير الطاقة السوري، إلى هدف 15 مليون م³/ي بحلول نهاية 2026، موضحاً أن «هذا الرقم متفائل ولا يراعي الحد الأدنى للمعايير الفنية، ويقدّر أن بلوغ الزيادة الكاملة قد يستغرق عامين، بينما تطوير حقول جديدة بالكامل يحتاج نحو 3 أو 4 سنوات».
ويعد «العائق الأكبر»، بحسب عربش، في أن «سوريا تحتاج إلى 23 مليون م³/ي لتأمين الكهرباء بشكل مستمر»، موضحاً أنه «حتى لو تحقق الهدف الكلي البالغ 15 م م٣/ي، سيظل العجز قائماً».
ويقترح عربش في هذا الصدد نجاح رهان نمو إمدادات الغاز بشراكات إضافية، قائلاً: «الرهان على تحفيز شركات أخرى (عربية وغربية) للدخول، وباستمرار الاستيراد الإقليمي لسد الفجوة».
وأكد عربش أن «الرهان قابل للنجاح تدريجياً بفضل الاحتياطيات المؤكدة (285 مليار م³) وجذب شركات كبرى (كونوكو، أديس، توتال، شيفرون)، لكنه ليس حلاً سريعاً أو كافياً لوحده».
وشدد على أن «الاقتصاد السوري سيبقى في سباق مع الزمن حتى يصل الإنتاج إلى مستويات ما قبل الحرب (28 مليون م³/ي) خلال 4 لـ5سنوات تقريباً».
ورغم ذلك يعتقد عربش أن التطور الحالي «سيُخفف النمو الأزمة بشكل ملموس لكنه محدود وجزئي، ولن يقضي عليها بالكامل خاصة والأمر يحتاج سنوات إضافية وشراكات أوسع».
وسيعمل نمو إمدادات الغاز محلياً على تحسين التغذية الكهربائية مع تحسن ساعات التوصيل الكهربائي بفضل توفر وقود إضافي للمحطات، لكنه لن يحل انقطاع الكهرباء كلياً، لأن الإنتاج المتوقع (حتى 15 م. م 3/ي) يبقى أقل من احتياجات الكهرباء المستمرة (23 م. م4/ي)، وسيبقى الاعتماد على الواردات من قطر عبر خط الغاز العربي ومن عبر تركيا ضرورياً لتغطية العجز، وفق عربش.
من جانبه، يرى الأكاديمي والباحث الاقتصادي السوري وائل أحمد، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «التركيز والرهان على نمو إنتاج الغاز المحلي في سوريا اليوم أحد أهم ركائز التعافي الاقتصادي، ليس فقط من زاوية تأمين الطاقة، بل من المنظور الاقتصادي وإعادة تنشيط الدورة الإنتاجية».
ولفت إلى أن «التقديرات الرسمية تشير إلى إمكانية رفع الإنتاج من نحو 7 ملايين متر مكعب يومياً حالياً إلى 15 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026، بما يعني أي أكثر من الضعف خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، مدعوماً باتفاقيات استراتيجية مهمة مع شركات دولية متخصصة تستهدف إضافة ما بين 4 و5 ملايين متر مكعب يوميا خلال السنة الأولى من التنفيذ».
ويعكس ذلك، بحسب الباحث الاقتصادي وائل أحمد، «جدية الاستثمارات ويعزز التوقعات بإحداث أثر ملموس على قطاع الطاقة خلال السنوات المقبلة»، لافتاً إلى أنه «يمكن اعتبار هذا الرهان من أكثر رهانات التعافي الاقتصادي واقعية في المرحلة الحالية مع ملاحظة أثاره الإيجابية تدريجياً، ويعتمد نجاحه على تحسين البنية التحتية المتضررة، جذب الاستثمارات الأجنبية المستمرة، وإعادة تأهيل الآبار».
ومن الناحية الاقتصادية لا تكمن أهمية هذا التطور في زيادة إنتاج الغاز بحد ذاته فقط، وإنما في تأثيره المباشر على مختلف القطاعات، فالغاز الطبيعي يمثل الوقود الأساسي لمعظم محطات التوليد الحرارية في سوريا، وبالتالي فإن أي زيادة في الإمدادات المحلية تنعكس مباشرة على تحسين إنتاج الكهرباء وتقليص فجوة الطاقة التي تعد أحد أبرز معوقات النمو الاقتصادي، وفق وائل أحمد.
ونبه إلى أن تراجع إنتاج الغاز خلال السنوات السابقة كان أحد الأسباب الرئيسية لتراجع القدرة الكهربائية المتاحة، مؤكداً أنه على الرغم من أن رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً لن يعيد قطاع الطاقة فوراً إلى المستويات المطلوبة، إلا أنه يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في مسار التعافي.
وأشار إلى أنه سينقل قطاع الكهرباء من مرحلة إدارة النقص إلى مرحلة توسيع القدرة التشغيلية تدريجيا، ومع استمرار الاستثمارات في تطوير الحقول وشبكات النقل ومحطات التوليد، ويمكن أن يتحول قطاع الغاز إلى أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي، نظراً لما يولده من آثار إيجابية تساهم في تخفيض فاتورة الاستيراد، وتحسين ميزان المدفوعات، وتقليل الطلب على النقد الأجنبي المخصص لاستيراد الوقود.
كما يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الرؤية الحكومية السورية حيال قطاع الطاقة، تمثل رافعة رئيسية لمرحلة التعافي الاقتصادي ومواجهة أزمة الطاقة مع بروز اهتمام ملموس من قبل شركات إقليمية ودولية كبرى، أبدت رغبتها في ضخ مليارات الدولارات ضمن مشاريع حيوية تشمل مجالات الإنتاج، والكهرباء، وتطوير البنية التحتية.
ويوضح أن قطاع الطاقة السوري اليوم يمتلك مقومات واعدة تؤهله مع زيادة إنتاج الغاز محلياً لمواجهة أزمة الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز المستورد ودعم تعافي الاقتصاد.