أشرف جرار: أثبتت أسواق الخليج تاريخياً قدرتها على استيعاب الطروحات

في لحظة كان يُفترض أن تشهد بداية موجة جديدة من الاكتتابات وصفقات الاستحواذ في الخليج خلال 2026، جاءت حرب إيران لتفرض حالة ترقّب في الأسواق، من دون أن تعني تراجعاً.
الصفقات لم تُلغَ، والأموال لم تغادر المنطقة، والشركات التي كانت تستعد للإدراج لم تتخلَّ عن خططها. ما تغيّر هو الإيقاع فحسب: قرارات كانت تُحسم في أسابيع باتت تحتاج وقتاً، فيما أصبح توقيت الطروحات أكثر ارتباطاً بمستوى التوترات.
تُظهر بيانات 2025 حجم الزخم الذي كان يتشكل، فقد سجّلت المنطقة نحو 635 صفقة اندماج واستحواذ بنمو 33% وفق «برايس ووترهاوس كوبرز»، مع 320 صفقة بينية داخل المنطقة بزيادة 35% عن العام السابق.
وعلى جبهة الاكتتابات، رصدت «كامكو إنفست» 42 طرحاً عاماً بقيمة 5.8 مليارات دولار خلال العام ذاته، فيما كانت نحو 73 شركة جاهزة أو تفكر جدياً بالإدراج خلال 2026 — منها 50 في السعودية وحدها، و17 في الإمارات، وأسماء كبرى من بينها «مصدر» و«الاتحاد للطيران» و«ماجد الفطيم القابضة».
بمعنى آخر، السوق كان يسير باتجاه موجة نادراً ما تتكرر.
المشكلة لم تكن في الشركات ولا في نواياها، بل في البيئة من حولها. فبحسب تحليل «مورغان ستانلي»، أدى اضطراب الملاحة في «مضيق هرمز» الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز عالمياً إلى تشويش حسابات التضخم والفائدة والتدفقات النقدية، وهي المتغيرات الثلاثة التي يقوم عليها أي تقييم استثماري جاد.
وتسارع الأثر على الأرض بسرعة لافتة: أغلقت الأسواق الإماراتية ليومين في مطلع مارس قبل أن تعود تحت ضوابط تقلب مشددة، وأُغلق «ناسداك دبي» بدوره للمدة ذاتها، وقلّص المصرفيون الدوليون سفرهم إلى المنطقة، فتأجلت جولات التسويق وتباطأت العناية الواجبة.
هذه التفاصيل التشغيلية هي التي تؤجل الطروحات في الواقع، لا القرار الاستراتيجي في حد ذاته.
على صعيد صفقات الاستحواذ، الصورة أوضح. ومن أبرز الأمثلة انسحاب مجموعة ماكواري من صفقة أنابيب النفط الكويتية المُقدَّرة بنحو سبعة مليارات دولار، ربطت فيه انسحابها صراحةً بحالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع وفق ما رصدته «رويترز».
وفي السياق ذاته، شهد مشروع الغاز الكويتي البالغة قيمته 3.3 مليارات دولار تأخيرات جوهرية بحسب مجلة ميد.
غير أن البائعين لم يرفعوا الراية البيضاء؛ فلا يزال «مركز الملك عبدالله المالي» يسعى لبيع أصول تبريد بأكثر من 500 مليون دولار، وتواصل «سيسكو القابضة» مسارها لبيع أصول مياه بنحو مليار ريال.
محمد القمزي، المحلل المالي، وصف المشهد لـ«إرم بزنس» بعبارة دقيقة: «هذا التوقف بمثابة استراحة محارب حتى تتضح الصورة».
وفسّر القمزي الهدوء الراهن بأنه إعادة ضبط للتوقيت لا إلغاء للخطط، مستنداً إلى متانة الأساسيات الاقتصادية الإماراتية وقوة الاحتياطيات المالية والسيولة المتوفرة.
وتوقع أن يتركز الطلب حين تنقشع الغيوم على قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة تحديداً، مشيراً إلى أن المستثمرين طويلي الأجل لا ينتظرون مكتوفي الأيدي، بل يستغلون هذه المرحلة لبناء مراكز جديدة في شركات يرونها واعدة، تمهيداً لموجة الانتعاش المقبلة.
أما أشرف عماد جرار، الوسيط الدولي ومدير الأصول في الشركة المتحدة للأوراق المالية بمسقط، فرّق في تصريحه لـ«إرم بزنس» بين نوعين من الشركات في هذه المرحلة: تلك التي لا تحتاج إلى تمويل عاجل وستختار الانتظار حتى تتحسن ظروف التسعير، وتلك التي لديها التزامات توسعية وقد تمضي في طرحها بتقييمات أكثر تحفظاً ونطاق سعري أوسع لاستقطاب الطلب المؤسسي.
ويرى جرار أن صناديق الأسهم الخاصة تقرأ هذه اللحظة بمنطق مختلف تماماً عن المستثمر التقليدي، فهي ترى في التقلبات فرصة للدخول بأسعار أكثر جاذبية مما كانت عليه في سنوات الازدهار، مع تشديد أكبر في معايير اختيار الأصول قبل التنفيذ.
وأشار إلى أن الاستقرار الجيوسياسي عامل مهم لكنه ليس وحيداً، إذ أثبتت أسواق الخليج تاريخياً قدرتها على استيعاب الطروحات حتى في فترات التقلب العالمي، بفضل السيولة المحلية ونشاط الصناديق السيادية وقوة الموازنات الحكومية وهي عوامل لم تتغير.
ما يحدث اليوم ليس انهياراً ولا تراجعاً بل هو ما يسميه المتداولون المخضرمون «إعادة معايرة». مليارات الدولارات لم تغادر المنطقة، والشركات الكبرى لم تُعِد رسم خططها من الصفر، والصناديق السيادية لم تغلق دفاترها.
ويتفق جرار والقمزي على أن المؤشرات الهيكلية لا تزال في صف المنطقة: برامج الخصخصة قائمة، والشركات العائلية تتجه نحو أسواق المال، والسيولة المحلية راسخة.
وحين تجتمع إشارات الاستقرار، تراجع التوترات، وهدوء أسواق النفط، وعودة شهية المخاطر العالمية، فإن الطلب المتراكم كفيل بأن يجعل موجة الاكتتابات والاستحواذات القادمة أقوى مما كانت عليه قبل أن يضغط أحدهم على زر الانتظار.