
قبل أربع سنوات، حذرت الولايات المتحدة من أن الصين بصدد إطلاق «سلاح تجاري فائق القوة»: وهو عبارة عن شبكة رقمية شاملة تحظى بدعم الدولة، ومصممة للتوسع السريع حول العالم، مما يمنح بكين قدرة غير مسبوقة على رصد حركة الشحنات الدولية وتتبعها، كما ذكرت وكالة «رويترز».
وقد وعدت منصة «لوجينك» LOGINK بتبسيط عمليات الشحن العالمية من خلال توفير نظام رقمي لتبادل البيانات اللوجستية بين سلطات الجمارك والموانئ وشركات النقل الخارجية، وذلك كبديل للإجراءات الورقية التقليدية.
بدلاً من ذلك، مُني المشروع بـ «انتكاسة مذهلة»، يُكشف عنها هنا للمرة الأولى، إذ تعطلت شراكاته العالمية الرئيسية، وانسحب من رابطة بحرية دولية، كما غرق في دعاوى قضائية محلية تتعلق بفواتير غير مدفوعة؛ وذلك وفقاً لمقابلات مع أكثر من 20 مسؤولاً ومطلعاً على شؤون قطاع الشحن، فضلاً عن مراجعة أجرتها وكالة «رويترز» لوثائق قانونية.
وعندما زار أحد مراسلي «رويترز» مركز عمليات «لوجينك» في مدينة ونتشو الساحلية في شهر سبتمبر، بدت المكاتب مهجورة؛ فقد كانت الأضواء مطفأة، ومنطقة الاستقبال خالية، وكابلات أجهزة الكمبيوتر منتزعة من أماكنها.
ولم تلقَ الاتصالات ورسائل البريد الإلكتروني الموجهة إلى «لوجينك» أي رد، كما امتنعت وزارة النقل الصينية عن الإجابة على الأسئلة؛ غير أن الوزارة كانت قد أصدرت في شهر يونيو وثيقة سياسات تدعو إلى «ربط النظام بمزيد من تدفقات البيانات المحلية».
ويُعد تراجع منصة «لوجينك» انتكاسةً لبكين، التي تخوض صراعاً مع واشنطن للسيطرة على البنية التحتية المادية والتقنيات التي ترتكز عليها عمليات الشحن العالمي؛ وهو قطاع ينقل 80% من حركة التجارة الدولية. وسترحب الولايات المتحدة بتراجع هذه المنصة، إذ أسهمت واشنطن في هذا التحول السلبي لمسار «لوجينك» من خلال فضح وتشهير الجهات التي استخدمت النظام، وذلك حسب ما صرح راندال شرايفر، رئيس لجنة تابعة للكونغرس الأميركي كانت قد أصدرت تقريراً حول المنصة عام 2022.
ولم تتمكن وكالة «رويترز» من تحديد الأسباب التي أدت إلى توقف المنصة، التي روج لها مجلس الدولة الصيني باعتبارها مشروعاً رئيسياً، عن العمل فجأةً، ووقوعها في دوامة من المشاكل المالية والقانونية. ومع ذلك، فقد تزامن توقيت هذا التراجع مع جهود أميركية للضغط على الحلفاء والمنظمات التي كانت قد اتخذت خطوات أولية للتعاون مع «لوجينك» إبان سعيها للتوسع عالمياً.
وأعرب مسؤولون أميركيون وخبراء أمنيون عن قلقهم من احتمال استخدام بكين لهذا النظام لجمع معلومات غير معلنة تتعلق بالسلع المتداولة وأحجامها وأسعارها، وذلك لمساعدة الشركات الصينية على تقويض منافسيها الغربيين. كما أبدى البعض مخاوف من إمكانية استخدام نظام «لوجينك» لتتبع شحنات عسكرية حساسة، بما في ذلك شحنات الأسلحة الأميركية المتجهة إلى أوكرانيا وتايوان، والتي يتم نقل الكثير منها عبر شبكات الشحن التجاري.
ولم يكشف نظام «لوجينك» علناً عن الطبيعة الدقيقة وحجم البيانات التي يجمعها؛ ففي وثيقة قُدمت إلى مكتب الممثل التجاري الأميركي عام 2024، صرح المسؤول في النظام، لي تشاو، بأن «النظام يفتقر إلى القدرة على جمع معلومات تجارية حساسة أو مراقبة حركة الشحنات العالمية بشكل مستمر».
ولم يقدم متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تفاصيل محددة عند سؤاله عن الجهود الدبلوماسية الرامية للحد من الاستخدام العالمي لنظام لوجينك، لكنه أكد أن واشنطن لن تسمح لمنصة تسيطر عليها بكين بـ «السيطرة الخانقة على بيانات الشحن البحري العالمي».
وأضاف المتحدث: «لقد حظرنا استخدام هذا النظام داخل حكومتنا وفي البنية التحتية الحيوية للموانئ، ونحث حلفاءنا وقطاع الصناعة على التعامل مع هذا التهديد بالقدر نفسه من الجدية».
وتُعرف منصة «لوجينك» رسمياً باسم «المنصة الوطنية العامة لمعلومات النقل والخدمات اللوجستية». وقد انطلقت المنصة قبل عقدين كمشروع حكومي محلي في مقاطعة تشجيانغ الصينية، بهدف «تحسين تنسيق حركة البضائع من خلال تجميع البيانات الواردة من الموانئ والشاحنات والموردين في منصة موحدة قابلة للبحث».
وحظيت المنصة بدعم صناع القرار في بكين، الذين سرعان ما نقلوا إدارتها إلى وزارة النقل الصينية، لتصبح عملية التوسع الدولي أولويةً عاجلة.
وفي عام 2010، أبرمت الصين اتفاقية لتبادل بيانات الشحن مع الحكومتين اليابانية والكورية الجنوبية، مما أدى إلى ربط «لوجينك» بمنصات المعلومات اللوجستية الوطنية في هاتين الدولتين.
وبعد بضع سنوات، وقعت «لوجينك» اتفاقية مع منصة لوجستية مقرها هونغ كونغ؛ وصرحت الجهة الصينية في بيان صحفي بأن هذه الخطوة ستتيح لها الوصول إلى أكثر من 90% من بيانات تتبع السفن العالمية.
ووفقاً لعرض تقديمي قدمته وزارة النقل الصينية عام 2015 إلى إحدى لجان الأمم المتحدة (ونُشر عبر الإنترنت)، كان من المخطط أن تكون «لوجينك» بوابة شاملة (محطة واحدة) متصلة بأنظمة المعلومات اللوجستية العالمية.
وبحلول أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت «لوجينك» تدرس أيضاً سبل التعاون مع الموانئ الأوروبية. غير أنه في عام 2022، بدأ صناع القرار في الولايات المتحدة في إبداء معارضة علنية للمنصة الصينية.
وجاءت نقطة التحول في شهر أبريل من ذلك العام، حين انضمت «لوجينك» إلى مشروع دولي لتبادل البيانات يربط بين مشغلي المنصات الرقمية التي تسهل تبادل معلومات الشحن والجمارك في الموانئ.
وبحسب تقرير صادر عن لجنة أميركية، فإن مشاركة «لوجينك» في ذلك المشروع من شأنها أن تضاعف حجم تعاونها مع الموانئ الدولية.
وبعد بضعة أشهر، حثت مجموعة من المشرعين الجمهوريين الرئيس الأميركي آنذاك، جو بايدن، في رسالة مفتوحة على اتخاذ إجراءات ضد «لوجينك». وكان من بين هؤلاء المشرعين ماركو روبيو، الذي يشغل حالياً منصب وزير الخارجية في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وانتهت مشاركة المنصة في الرابطة الدولية لمجتمعات الموانئ (IPCSA) عام 2024 بعد توقفها عن سداد رسوم العضوية، وذلك وفقاً لشخص مطلع على الأمر.
وفي تلك الفترة تقريباً، توقف موقع «لوجينك» الإلكتروني عن العمل؛ حيث يعود تاريخ آخر نسخة مؤرشفة له على موقع «Wayback Machine» إلى شهر يونيو 2024.
وقد أكدت إنغا مورتون، المديرة العامة للرابطة أن «لوجينك» لم تعد عضواً فيها، مشيرةً إلى أن المشروع الدولي لتبادل البيانات بات معلقاً وغير نشط.
وفي الوقت نفسه، تعثّرت أيضاً الخدمة التي أطلقتها الصين بالتعاون مع كوريا الجنوبية واليابان، والتي كانت تُعد المبادرة الدولية الأبرز لمنصة «لوجينك». ورغم عقد المشاركين من الدول الثلاث اجتماعات دورية منذ إطلاق الخدمة، إلا أن الصين ألغت فجأةً حدثاً كان مقرراً في مارس 2024، عازيةً ذلك إلى ظروف داخلية وفقاً لوزارة المحيطات الكورية الجنوبية، ولم تُعقد أي اجتماعات منذ ذلك الحين.
وقد حذر المشرعون من أن التوسع غير المقيد لمنصة «لوجينك» قد يتيح للحزب الشيوعي الصيني إحكام قبضته الخانقة على شرايين التجارة العالمية.
وواجهت منصة «لوجينك» مطالبات قانونية؛ إذ واجهت الجهة التجارية المسؤولة عن مركز المنصة في مدينة ونتشو، منذ يناير 2024، ما لا يقل عن 39 دعوى قضائية بإجمالي مبالغ تقارب 1.3 مليون دولار، وذلك وفقاً لبيانات واردة في منصة «كيتشا تشا» المتخصصة في معلومات الشركات. وقد صُنفت بعض هذه الشكاوى على أنها نزاعات عمالية، في حين بدا أن أخرى تتعلق بفواتير خدمات عامة غير مسددة.