بعد خمسة وعشرين عاماً من صياغة مصطلح «بريك» (BRIC) على يد المصرفي البريطاني السابق في غولدمان ساكس، جيم أونيل، وبعد عقدين من بدء التعاون رسمياً بين الدول الأربع المؤسسة للتكتل — البرازيل وروسيا والهند والصين — تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة بموقع مثالي للاستفادة من الصعود المستمر لدول الجنوب العالمي.
فقد توسعت مجموعة بريكس من أربع دول اقتصادية مؤسسة إلى تكتل يضم عشر دول، ويمتد عبر آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وكانت المملكة العربية السعودية قد دُعيت للانضمام في عام 2023، لكنها لم تفعل عضويتها رسمياً، وبدلاً من ذلك حافظت على علاقة «شريك» مع التكتل — وهو تمييز يستحق المتابعة في ضوء العلاقات الاستراتيجية الموازية التي تربط الرياض بواشنطن.
بدأ تعاون بريك رسمياً في عام 2006، عندما عقد وزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين أول اجتماع لهم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وفي عام 2010، انضمت جنوب إفريقيا، ليتحول اسم BRIC إلى BRICS. ومنذ ذلك الحين، تطورت المجموعة من منصة غير رسمية للاقتصادات الناشئة إلى منتدى أوسع للتعاون السياسي والاقتصادي والتجاري.
وقد أدى التوسع الأخير إلى توسيع البصمة الجغرافية والاقتصادية للتكتل بصورة كبيرة. وانضمت الإمارات ومصر، إلى جانب ثلاث دول ناشئة أخرى، إلى الدول الخمس الأصلية، ليرتفع إجمالي عدد أعضاء بريكس إلى عشر دول. وتتولى الهند رئاسة بريكس في عام 2026، بما يؤكد الدور المتزايد الأهمية لآسيا والجنوب العالمي الأوسع في المنظمة.
وبالنسبة إلى الإمارات، يحمل هذا التطور أهمية استراتيجية كبيرة. فقد حرصت الدولة منذ فترة طويلة على ترسيخ مكانتها ليس فقط كاقتصاد قائم بذاته، وإنما أيضاً كمنصة تستطيع الشركات والمستثمرون والحكومات من خلالها الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وما وراءها.
وتعزز الآفاق الاقتصادية للعديد من أعضاء بريكس هذه الاستراتيجية. ووفقاً لتحديث تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في يوليو 2026، من المتوقع أن يبلغ النمو العالمي 3.0% في عام 2026 و3.4% في عام 2027، إلا أن معدلات النمو لا تزال متفاوتة بدرجة كبيرة بين المناطق والدول. ومن المتوقع أن تسجل العديد من اقتصادات بريكس نمواً أسرع بكثير من المتوسط العالمي.
ومن المتوقع، وفقاً لصندوق النقد الدولي، أن تنمو الهند، وهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم ورئيسة بريكس لعام 2026، بنسبة 6.4% في عام 2026 و6.7% في عام 2027. ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4.6% هذا العام و4.1% العام المقبل. أما البرازيل فمن المتوقع أن تنمو بنسبة 2.4% في عام 2026 و2.2% في عام 2027، بينما يُتوقع أن يسجل الاقتصاد الروسي نمواً بنحو 1.1% في كل من العامين. ومن المتوقع أن تنمو جنوب إفريقيا بنسبة 1.1% في عام 2026 و1.3% في عام 2027.
وتبدو قصة النمو أقوى حتى في بعض أعضاء بريكس الجدد. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو اقتصاد إثيوبيا بنسبة 7.8% في السنة المالية 2026/2027 وبنسبة 8.2% في 2027/2028، بينما يُتوقع أن تحافظ إندونيسيا على معدل نمو يبلغ نحو 5.1%. كما يُتوقع أن ينمو الاقتصاد المصري بنحو 4.2% في عام 2026 و4.8% في عام 2027. ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أن بريكس تكتل غير متجانس أيضاً، وأن معدلات النمو في بعض الحالات، مثل إثيوبيا، يجب النظر إليها مع أخذ تأثيرات سنة الأساس في الاعتبار.
ويبرز هذا التباين نقطة مهمة: بريكس ليست كتلة اقتصادية متجانسة. فأعضاؤها يختلفون بشكل كبير في أنظمتهم السياسية وهياكلهم الاقتصادية ومسارات نموهم. وما يجمعهم اقتصادياً هو تزايد ثقلهم في التجارة العالمية والاستثمار والطاقة والسلع الأساسية والتصنيع والتكنولوجيا والأسواق الاستهلاكية.
وهنا تحديداً تبرز أهمية موقع الإمارات، إذ لطالما وازنت الدولة الخليجية بين مصالحها السياسية ذات التوجه الغربي بصورة أكبر، وبين رهانها على صعود الأسواق الناشئة في مختلف أنحاء الجنوب العالمي.
وفي وقت سابق من هذا العام، أعرب رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عن الدعم الكامل لرئاسة الهند لمجموعة بريكس وجهودها الرامية إلى تعزيز أهداف المجموعة. وجاء ذلك خلال زيارته إلى الهند في يناير، بما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها أبوظبي لدور الهند داخل المنظمة.
وتكتسب علاقة الإمارات بالصين أهمية خاصة. فقد كانت الصين أكبر شريك تجاري للإمارات لأكثر من عقد، في حين استفادت البنية التحتية للدولة، بما في ذلك الموانئ والمطارات وبيئة الأعمال، من تنامي اندماج الصين مع الأسواق في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
كما ينسجم دور الإمارات بصورة طبيعية مع مبادرة الحزام والطريق الصينية. فموانئها العميقة، وفي مقدمتها تاريخياً ميناء جبل علي، والتي تتكامل بصورة متزايدة مع موانئ الساحل الشرقي مثل خورفكان والفجيرة، تمنح الإمارات دوراً طبيعياً كمركز لإعادة الشحن وإعادة توزيع البضائع بين المنتجين الآسيويين والمستهلكين في إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وقد تحول هذا الدور من مجرد نظرية إلى واقع ملموس في عام 2026. فمنذ أن أصبح مضيق هرمز مغلقاً فعلياً أمام حركة الشحن التجاري الاعتيادية في أواخر يوليو، ارتفعت أحجام الحاويات في خورفكان بنحو 25 ضعفاً، واستحوذ الميناء على أكبر حصة منفردة من الشحنات التي جرى تحويل مسارها بعيداً عن جبل علي.
كما تتيح آلية العبور الجمركي تحت نظام المستودعات الجمركية في دبي، والتي أُدخلت في مارس 2026، دخول البضائع عبر خورفكان أو الفجيرة ونقلها بالشاحنات تحت نظام جمركي إلى جبل علي أو المناطق الحرة في دبي، من دون الحاجة إلى إعادة التخليص الجمركي. وهكذا تحول ما بدأ كإجراء مؤقت للتعامل مع الأزمة إلى نموذج مستدام متعدد الموانئ.
وربما يمثل هذا أوضح مثال عملي في الوقت الحقيقي على حجة «المرونة وتعدد البدائل» التي تتمتع بها الإمارات: فعندما يواجه أحد الطرق أو الموانئ اضطراباً، تمنحها جغرافيتها على الساحل الشرقي، خارج نقطة الاختناق في مضيق هرمز، ميزة هيكلية لا تتوافر بالقدر ذاته لدى دول الخليج التي تعتمد حصراً على موانئ مرتبطة بحركة الملاحة عبر هرمز، لكن ميزة الإمارات تتجاوز بكثير بنيتها التحتية المادية. فمناطقها الحرة، وبيئتها التجارية المنفتحة نسبياً، ومراكزها المالية، وقطاعها المصرفي الدولي، ومنظومتها التكنولوجية المتنامية، توفر للشركات البنية القانونية والمالية والتجارية اللازمة لدخول أسواق غير مألوفة.
وقد رسخت دبي، على وجه الخصوص، مكانتها كمركز تستطيع فيه الشركات القادمة من مختلف أنحاء آسيا وإفريقيا والأسواق الناشئة الأخرى الالتقاء، وإنشاء مقار إقليمية، وجمع رؤوس الأموال، وترتيب تمويل التجارة، وتوزيع المنتجات.
وقد ازدادت أهمية هذا الدور في ظل التطورات الجيوسياسية التي تؤثر على التجارة الدولية في عام 2026. فقد أجبرت الاضطرابات التي طالت طرق الشحن التقليدية الشركات على إعادة تقييم سلاسل الإمداد والبحث عن طرق بديلة ومراكز لوجستية جديدة. وبدلاً من أن تؤدي هذه الاضطرابات إلى خفض التجارة فحسب، فإنها قد تسرّع أيضاً عملية تنويع سلاسل الإمداد.
وبالنسبة إلى دولة مثل الإمارات، التي استثمرت بكثافة في الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والبنية التحتية الرقمية، فإن هذا الوضع يخلق فرصاً جديدة، فالشركات التي كانت تعتمد في السابق على طريق واحد أو سوق واحد تبحث بصورة متزايدة عن بدائل احتياطية. وهي تريد مورّدين بديلين، وطرق شحن بديلة، ومراكز توزيع إقليمية بديلة، والإمارات قادرة على توفير الخيارات الثلاثة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع ازدياد أهمية التجارة بين الأسواق الناشئة. فشركة تصنيع صينية تبيع منتجاتها إلى إفريقيا، أو شركة أدوية هندية تتوسع في الشرق الأوسط، أو مُصدّر إفريقي للسلع الأساسية يبحث عن مشترين في آسيا، أو شركة أوروبية تسعى إلى الوصول إلى أسواق الخليج — جميعها تستطيع استخدام الإمارات كمنصة وسيطة.
ومن هذا المنظور، فإن صعود بريكس لا يعني بالضرورة انخفاض التجارة مع الاقتصادات المتقدمة. بل على العكس، قد يعني زيادة حجم التجارة التي تمر عبر مراكز مرتبطة بالعالم مثل الإمارات.
وتظهر مرونة الاقتصاد الإماراتي بالفعل في مؤشرات الأعمال الحالية. فقد ارتفع مؤشر مديري المشتريات في الإمارات الصادر عن S&P Global، وهو مؤشر يحظى بمتابعة واسعة لقياس النشاط في القطاع الخاص غير النفطي في الدولة، إلى 55.3 نقطة في أغسطس، مقارنة بـ52.7 نقطة في يوليو.
وتشير القراءة التي تتجاوز 50 نقطة إلى حدوث توسع. وقد مثلت قراءة أغسطس أقوى تحسن في ظروف التشغيل منذ ديسمبر 2024، مدفوعة بزيادة الأعمال الجديدة وتعافي الطلب على الصادرات. كما أظهرت الأسواق المالية قدرة على الصمود. فقد حققت أسواق الأسهم في أبوظبي ودبي مكاسب كبيرة خلال أغسطس مع تحسن معنويات المستثمرين واستمرار قوة السيولة في الأسواق. ويعزز ذلك الانطباع بأن المستثمرين الدوليين لا يزالون ينظرون إلى الإمارات باعتبارها وجهة جاذبة نسبياً، رغم البيئة الخارجية الصعبة.
وتقدم المنظومة المالية في دبي مثالاً آخر. فقد أعلن مركز دبي المالي العالمي أن عدد الشركات المسجلة والنشطة بلغ 10,018 شركة في نهاية النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 30% خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. كما ارتفع عدد شركات الخدمات المالية الخاضعة للرقابة بنسبة 16% على أساس سنوي إلى 1,134 شركة، في حين نمت شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار بوتيرة أسرع، بزيادة بلغت 39% على أساس سنوي لتصل إلى 1,933 شركة. ويشير ذلك إلى أن نمو مركز دبي المالي العالمي يتركز بصورة متزايدة في القطاعات القائمة على التكنولوجيا، وليس موزعاً بالتساوي بين جميع أنواع الشركات.
تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن دور الإمارات كمركز تجاري يتداخل بصورة متزايدة مع دورها كمركز مالي وتكنولوجي. فالتجارة اليوم لا تقتصر على نقل الحاويات من ميناء إلى آخر. فهي تتطلب التمويل والتأمين والعملات الأجنبية والمدفوعات والبيانات والبنية التحتية السحابية والمنصات الرقمية، وبصورة متزايدة، الذكاء الاصطناعي.
والإمارات تبني قدرات متقدمة في جميع هذه المجالات كما يمنحها موقعها الجغرافي ميزة هيكلية أخرى. فالدولة تقع بين أسواق التصنيع والاستهلاك الرئيسة في آسيا، والاقتصادات الغنية بالموارد في الشرق الأوسط، والأسواق سريعة النمو في إفريقيا. وبذلك تستطيع الإمارات أن تعمل كجسر بين مناطق تتزايد أهميتها الاقتصادية في الوقت نفسه.
وهذا السبب في أن صعود بريكس ينبغي في نهاية المطاف أن يُنظر إليه باعتباره فرصة للإمارات وليس تحدياً لها. فتوسع بريكس يعكس تحولاً هيكلياً أوسع في الاقتصاد العالمي: إذ تستحوذ الأسواق الناشئة على حصة متزايدة من الإنتاج والتجارة والاستثمار والاستهلاك العالمي.
ولا تحتاج الإمارات إلى الاختيار بين الجنوب العالمي والأسواق المتقدمة التقليدية. بل إن ميزتها التنافسية تكمن تحديداً في قدرتها على الربط بين الطرفين.
كما تؤكد التطورات الأخيرة متانة الوضع المالي للدولة. ففي 4 سبتمبر، أكدت وكالة S&P Global Ratings التصنيف السيادي للإمارات عند AA/A-1+، مع نظرة مستقبلية مستقرة. وأشارت الوكالة إلى الاحتياطيات المالية والخارجية الكبيرة التي تتمتع بها الدولة وقدرتها على استيعاب الصدمات الخارجية.
وهذا المزيج — المرونة المالية، والبنية التحتية الحديثة، والاستقرار السياسي، والاتصال العالمي، ومنظومة الأعمال المتطورة بصورة متزايدة — هو ما يجعل الإمارات في موقع متميز بشكل خاص للاستفادة من المرحلة المقبلة من العولمة.
وبعد خمسة وعشرين عاماً من صياغة مصطلح BRIC، أصبح الاتجاه الاقتصادي الأساسي الذي حدده أونيل أمراً يستحيل تجاهله. فمركز ثقل الاقتصاد العالمي أصبح أكثر انتشاراً، ويلعب الجنوب العالمي دوراً متزايد الأهمية.
وبالنسبة إلى الإمارات، هذه أخبار جيدة، فالدولة لا تحتاج إلى أن تصبح واحدة من أكبر اقتصادات العالم حتى تستفيد من صعود الأسواق الناشئة. بل يكفيها أن تواصل الحفاظ على المكانة التي رسختها بصورة متزايدة خلال العقدين الماضيين: أن تكون المكان الذي تلتقي فيه هذه الأسواق.
ومع توسع بريكس، تزداد أيضاً الإمكانات المرتبطة بتدفق السلع ورؤوس الأموال والاستثمارات والتكنولوجيا والأفراد بين أعضائها وبين بقية العالم.
وطالما واصلت الإمارات توفير البنية التحتية وبيئة الأعمال اللازمة لتسهيل هذه التدفقات، فمن المرجح أن تصبح مكانتها كمركز تجاري عالمي أكثر قيمة وأهمية.