
اختتمت دبي النصف الأول من عام 2026 بتسجيل نحو 420 مليار درهم من التصرفات العقارية، موزعة على أكثر من 112 ألف صفقة، في وتيرة تضع السوق على مسار يتجاوز الرقم القياسي المسجل في عام 2025.
ومع بداية عام 2026، ساد إجماع بين المحللين والمطورين العقاريين على أن هذا الزخم سيواصل نموه بدلاً من أن يشهد استقراراً أو تباطؤاً. وبعد مرور ستة أشهر، تؤكد المؤشرات صحة هذه التوقعات، بل إن السوق تجاوز في عدد من المجالات وتيرة النمو التي توقعتها معظم التحليلات.
وفيما يلي قراءة لأبرز الاتجاهات التي حظيت باهتمام واسع مع بداية العام، وكيف تتبلور فعلياً على أرض الواقع.
حظيت أبوظبي منذ بداية العام بترشيحات واسعة لتكون الوجهة الاستثمارية العقارية التالية في المنطقة، ويبدو أن هذا التحول تحقق بوتيرة أسرع من المتوقع. فقد بلغت قيمة المبيعات العقارية في الإمارة 84.5 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 174% على أساس سنوي، ما يضع السوق على مسار عام قياسي جديد.
وتصدرت جزيرة الريم من حيث حجم المبيعات، في حين تصدرت جزيرة الحديريات من حيث القيمة. وبالاشتراك مع جزيرتي ياس والسعديات، استحوذت المناطق الأربع على نحو ثلثي إجمالي الصفقات وقيمتها في الإمارة.
كما هيمنت مبيعات الوحدات العقارية على الخارطة على النشاط، في حين سجلت أسعار إعادة بيع الشقق والفلل ارتفاعات من خانتين عشريتين، ما يشير إلى أن الطلب يمتد عبر السوق العقاري ولا يرتبط بمشروع واحد أو موجة مؤقتة من النشاط.
من بين الاتجاهات التي حظيت باهتمام القطاع مع بداية العام، يبدو أن ترميز الأصول العقارية هو الأكثر تقدماً على أرض الواقع. فما كان يُنظر إليه في معظم التوقعات باعتباره مفهوماً مستقبلياً، أصبح اليوم جزءاً من البنية التشغيلية للسوق.
فقد اختتمت مبادرة دائرة الأراضي والأملاك في دبي لترميز العقارات مرحلتها الأولى في فبراير 2026، وبدأت سوق ثانوية منظمة للتداول في الرموز التي صدرت خلال المرحلة التجريبية.
كما نشرت هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA) إرشادات تنظيمية توضح الإطار الذي تخضع له الأصول العقارية المرمّزة باعتبارها أوراقاً مالية على المستوى الاتحادي. وبالنسبة إلى المستثمرين الأصغر سناً والأكثر حساسية للتكلفة، فإن وجود إطار تنظيمي أكثر وضوحاً يعزز الثقة في هذا النموذج ويضعه في إطار عملي يتجاوز مرحلة الوعود والتجارب الأولية.
ولا يزال التوقع طويل الأمد قائماً بأن تمثل الأصول المرمّزة ما يقارب 7% من إجمالي المعاملات العقارية في دبي بحلول عام 2033.
استمر التحول نحو مساحات العمل المشتركة، وغرف الاجتماعات الخاصة، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة داخل المباني السكنية خلال النصف الأول من العام.
ولا يزال العمل الهجين جزءاً راسخاً من أنماط العمل في دولة الإمارات، فيما تواصل المجتمعات متعددة الاستخدامات، التي تستند إلى مبادئ التركيز على الإنسان في مخطط دبي الحضري 2040، إعادة تشكيل توقعات السكان تجاه جودة الحياة والسكن، مقارنة بالنماذج التقليدية للمباني السكنية.
تسارعت وتيرة هذا الاتجاه بدرجة تفوق التصورات التي سادت نهاية عام 2025، والتي كانت تتعامل مع التكنولوجيا الذكية باعتبارها ميزة آخذة في الانتشار.
أما اليوم، فأصبحت الأنظمة المؤتمتة، والتصميم القائم على البيانات، وحلول تحسين استهلاك الطاقة من المتطلبات الأساسية في المشاريع الجديدة، بدلاً من كونها مزايا إضافية تضاف إلى المشروع كعنصر تسويقي.
وتتمثل المشاريع التي تستقطب أكبر قدر من الاهتمام في عام 2026 في تلك التي توظف هذه القدرات التقنية ضمن تصميم يضع الإنسان في صميم التجربة، وليس المشاريع التي تركز على استعراض المواصفات التقنية بحد ذاتها.
انتقل مشروع مترو دبي – الخط الأزرق من مرحلة وضع حجر الأساس إلى مرحلة الإنشاء المرئي على أرض الواقع، مع بدء أعمال حفر الأنفاق وتحقيق مراحل متقدمة في أعمال الحفر، فيما تمضي هيئة الطرق والمواصلات وفق مستهدف الوصول إلى نحو 30% من الإنجاز بنهاية عام 2026، على أن يبدأ تشغيل الخط في سبتمبر 2029.
وتشير نماذج الهيئة إلى إمكانية ارتفاع قيم العقارات الواقعة بالقرب من محطات الخط بما يصل إلى 25%. كما بدأت آثار التوقعات المستقبلية للمشروع بالظهور في بعض أجزاء المسار، قبل افتتاح أي من محطاته.
ولم تتغير أولويات المشترين؛ فما زالت جودة الهواء، والإضاءة الطبيعية، والمساحات المشتركة، وإمكانية الوصول إلى أنماط حياة نشطة، من العوامل المؤثرة في قرارات الشراء.
وفي الوقت نفسه، يواصل التصميم المستوحى من الطبيعة الانتقال من كونه ميزة إضافية إلى عنصر متوقع في المشاريع العقارية الجديدة، مع تزايد التركيز على جودة البيئة الداخلية وتجربة السكان.
واصلت الجهات التنظيمية تعزيز الرقابة على القطاع بما يتماشى مع التوقعات التي سادت بداية العام. وعلى المستوى الاتحادي، أُعيد تشكيل هيئة الأوراق المالية والسلع لتصبح هيئة أسواق المال اعتباراً من 1 يناير 2026 بموجب مراسيم بقوانين جديدة، بما أضاف إطاراً وطنياً أكثر وضوحاً للإشراف على أسواق رأس المال، بما في ذلك الأصول العقارية المرمّزة.
وفي دبي، واصلت مؤسسة التنظيم العقاري «ريرا»، إلى جانب الجهات التنظيمية المعنية في أبوظبي، تعزيز معايير حسابات الضمان والإفصاح ومساءلة المطورين، بما يدعم استقرار السوق ويعزز ثقة المستثمرين العالميين.
بعد مرور نصف العام، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الاتجاهات ستتحقق، بل بأي سرعة ستواصل ترسيخ حضورها في السوق.
وسيكون المطورون العقاريون الذين يستفيدون من المرحلة المقبلة هم من صمموا مشاريعهم بما يتناسب مع احتياجات السوق الحالية وتطوراته، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة للسوق الذي كانت الصناعة تتوقعه قبل عام.