logo
تكنولوجيا

من الخليج إلى إفريقيا.. ممر سيادي جديد للذكاء الاصطناعي العالمي

من الخليج إلى إفريقيا.. ممر سيادي جديد للذكاء الاصطناعي العالمي
مشاركون يتجولون في متحف المستقبل في دبي خلال ملتقى الذكاء الاصطناعي المنعقد في 11 أكتوبر 2023.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تشكّل دول الخليج والهند وعدد من الاقتصادات الإفريقية محور ابتكار عالمي جديد، فبدلاً من تدفق الأفكار من المراكز التقنية التقليدية نحو الأسواق الناشئة، أصبحت هذه المنطقة نفسها تنتج نموذجاً اقتصادياً يقوم على الذكاء الاصطناعي السيادي، مع القدرة على تمويله وتطبيقه ونشره على نطاق عابر للقارات.

ومع دخول استثمارات ضخمة في الحوسبة الفائقة، ومراكز البيانات السيادية، والمنصات السحابية الوطنية، إضافة إلى تشريعات متقدمة تسمح بالاختبار السريع والآمن للتقنيات الجديدة، تتحول المنطقة إلى كتلة اقتصادية متماسكة تمتلك رأس المال، والمهارات الهندسية، والأسواق الرقمية الواسعة، والبنية التنظيمية المتسارعة.

وبهذا، يتشكل أحد أكثر المحاور نمواً في الاقتصاد العالمي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهو محور قادر على إنتاج التكنولوجيا، وتمويلها، ونشرها على نطاق عابر للقارات.

أخبار ذات صلة

وصول الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونغ إلى الإمارات، يوم 17 نوفمبر 2025.

كوريا الجنوبية توافق على الانضمام لمشروع «ستارغيت الإمارات»

تحوّل من التجريب إلى الاستراتيجية

لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على المراكز التقنية التقليدية، بل بات يتبلور في المنطقة محور ابتكار جديد يقوم على تفاعلٍ متكامل بين الموارد البشرية المتقدمة، ورأس المال الاستثماري الضخم، والبنية التحتية الرقمية المتطورة، والأسواق الواسعة سريعة التبنّي.

ولا يعكس هذا التفاعل مجرد تعاون عابر، بل يعبّر عن نشوء كتلة اقتصادية قادرة على إنتاج الذكاء الاصطناعي وتمويله وتطبيقه على نطاق عابر للحدود، بما يعيد رسم موازين القوة في اقتصاد التكنولوجيا العالمي.

وتبرز الهند كمركز هندسي ضخم يرفد الشركات العالمية بملايين المهندسين وعلماء الحاسوب سنوياً.

في الوقت نفسه، تدفع الإمارات باتجاه بناء منظومات حوسبة سيادية واسعة النطاق، أبرزها مشروع «ستارغيت الإمارات» (Stargate UAE)، أول نشر دولي للبنية الحاسوبية الجديدة لـ«أوبن إيه آي» (OpenAI).

فيما تضخ السعودية استثمارات كبيرة عبر «صندوق الاستثمارات العامة»، الذي خصص نحو 40 مليار دولار لتطوير الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية للبيانات.

وعلى الجانب الإفريقي، تبرز «إفريقيا جنوب الصحراء» (Sub-Saharan Africa) باعتبارها أكبر منظومة للمدفوعات عبر الهاتف المحمول في العالم، ما يجعلها مختبراً مثالياً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا المالية.

الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات يتوسط قادة الشركات المساهمة في مشروع ستارغيت الإمارات
الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات يتوسط قادة الشركات المساهمة في مشروع ستارغيت الإمارات المصدر: burson global pr

نظام تشغيل عابر للحدود

الاختلاف الجوهري في هذا الممر الإقليمي يكمن في أنه لا يقوم على تقسيم تقليدي للأدوار، بل على اندماج عملي بين قدرات إنتاج التكنولوجيا وموارد تمويلها وأسواق تبنّيها. فالدول المشاركة لا تتحرك ضمن نموذج «مركز يصنع وأسواق تستهلك»، بل تعمل على بناء منظومة ابتكار متكاملة تُنتج فيها التكنولوجيا، ويُموَّل توسعها، وتُختبر تطبيقاتها في دورة واحدة مترابطة.

فالهند تقدم البنية الهندسية والبحثية، بينما تضخ المؤسسات الاستثمارية السعودية التمويل الاستراتيجي المطلوب لتطوير تقنيات على نطاق واسع، وتوفر الإمارات بنية تحتية رقمية عالية الاعتمادية عبر منصات حوسبة سيادية. وفي المقابل، تمنح الأسواق الإفريقية مساحة فورية لاختبار الحلول وتوسيع نطاقها تجارياً.

وقد دعمت الحكومات في السعودية والإمارات هذا النهج عبر برامج وطنية لتأهيل المواهب التقنية وسلاسل من التأشيرات الجاذبة للخبرات العالمية. كما اعتمدت الجهات التنظيمية في السعودية والإمارات بيئات اختبار تنظيمية (Sandboxes) تتيح للشركات تجربة نماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن أطر رقابية مرنة، قبل الانتقال إلى الإطلاق التجاري الواسع.

الجغرافيا كأداة استراتيجية

يلعب الموقع الجغرافي دوراً محورياً في تعزيز قوة هذا الممر. فوجود مدن مثل مومباي، والرياض، ودبي، وأبوظبي، ونيروبي، ولايغوس على مسافات طيران قصيرة يوفر تداخلاً عملياً في ساعات العمل، ويتيح دورة تطوير شبه مستمرة.

فالهندسة تتم في بنغالور، والتمويل يُرتّب في الرياض، والموافقات التنظيمية تُحسم في دبي وأبوظبي، بينما يجري الإطلاق التجاري في أسواق مثل القاهرة أو نيروبي.

وتؤسس هذه الديناميكية التحويلية لنموذج تشغيل جديد تقوم فيه المنطقة بدور حاضنة لتطوير شركات عالمية، بدلاً من أن تكون مجرد سوق تنفيذ أو استهلاك.

أخبار ذات صلة

روبوت يعمل خلف مكتب بينما يظهر موظف فعلي في مقدمة الصورة حاملاً أغراضه في صندوق.

الإمارات.. 70.8% من المستثمرين يثقون بالذكاء الاصطناعي لإدارة محافظهم

قطاعات مهيّأة للاستفادة

تفتح البنية الإقليمية الجديدة للذكاء الاصطناعي السيادي آفاقاً واسعة لقطاعات متنوعة، أبرزها الخدمات المالية، والطاقة والبيوتكنولوجيا، والتكنولوجيا المالية في إفريقيا.

ففي القطاع المالي، تنتقل المصارف وشركات التأمين إلى تشغيل نماذج تقييم ائتماني لحظي، وأنظمة متقدمة لكشف الاحتيال، وتحليلات مخاطر قائمة على البيانات الضخمة، ضمن سحابات وطنية تحفظ البيانات الحساسة.

وتبرز الإمارات كمحور استثماري رئيسي عبر توسع صندوق «مبادلة» في التقنيات المتقدمة، واستعداد صندوق «إم‌ جي إكس» (MGX) لجمع ما يصل إلى 25 مليار دولار لدعم بنية حوسبة سيادية على مستوى المنطقة.

وفي الطاقة والبيوتكنولوجيا، تتحول الصناديق السيادية إلى محركات استراتيجية في التكنولوجيا العميقة. فقد رفعت استثمارات «مبادلة» في قطاعات المستقبل أصولها إلى 1.2 تريليون درهم، فيما تسير السعودية في الاتجاه نفسه من خلال «صندوق الاستثمارات العامة» الذي أعلن دمج الذكاء الاصطناعي في جميع طبقات استراتيجيته الاستثمارية، وتخصيص تمويلات واسعة لمشاريع الطاقة المتقدمة والحوسبة الفائقة والتطبيقات الحيوية.

كما أطلق الصندوق في 2025 شركة «هيوماين» (Humain) المتخصصة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي المتقدم، بهدف تطوير بنية رقمية قادرة على دعم تقنيات اكتشاف الأدوية والمحاكاة الحيوية والحوسبة العلمية داخل المملكة، ما يعزز بناء قدرات بيوتكنولوجية سيادية في المنطقة.

أما التكنولوجيا المالية، فتستفيد إفريقيا من وجود أكثر من 1.1 مليار حساب للمدفوعات عبر الهاتف المحمول ومعاملات تتجاوز تريليون دولار سنوياً، لتصبح منصة اختبار مثالية لحلول الدفع والائتمان والتأمين الرقمية.

ومع تكامل البنية السيادية للحوسبة في الخليج مع القدرات الهندسية في الهند والأسواق الإفريقية واسعة التبنّي، يتشكل مسار نمو سريع للتقنيات المالية العابر للحدود.

من ممر إقليمي إلى فرصة قارية

تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 320 مليار دولار إلى الناتج المحلي للشرق الأوسط بحلول 2030، منها 135 مليار دولار في السعودية ونحو 13% من الناتج المحلي في الإمارات. غير أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من الإمكانات. فمع انضمام الهند بقدراتها الهندسية الهائلة، وإفريقيا بزخمها الرقمي المتسارع، تتوسع دائرة الفرص إلى نطاق عابر للقارات.

ويشكّل تقاطع الاستثمارات السيادية الضخمة، والديموغرافيا الشابة، والمرونة التنظيمية، والبنية الحوسبية السيادية كتلة اقتصادية صاعدة قادرة على إنتاج الذكاء الاصطناعي وتوطينه وتصديره. ومع هذا التراكم المتسارع للعوامل المحفّزة، يتجاوز الممر الإقليمي دوره التقليدي ليصبح منصة ابتكار عالمية مرشحة لأن تكون أحد أهم مراكز النمو التكنولوجي خلال العقد المقبل.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف