
في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا لتوسيع البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، تظهر كلفة اقتصادية وبيئية جديدة في المدن التي تستضيف هذه المنشآت. فمراكز البيانات تعد بفتح الباب أمام وظائف واستثمارات وتعزيز النشاط الاقتصادي، لكنها في المقابل ترفع الطلب على الكهرباء والمياه وتثير مخاوف بشأن التلوث والضوضاء، خصوصاً في المناطق التي عاشت لعقود تحت تأثير الصناعات الثقيلة.
تبرز مدينة فيلادلفيا الأميركية نموذجا لهذا الصدام، إذ بدأ سكان أحياء عانت تاريخياً من آثار الصناعة في الاعتراض على إنشاء مراكز بيانات جديدة، معتبرين أن الوعود الاقتصادية لا تكفي لتبرير الأعباء المحتملة على المجتمعات المحلية، وفق ما نقل موقع «تك كرانش» المتخصص.
وتقول جماعات محلية إن السكان لا يريدون تكرار تجربة الصناعات الثقيلة، خصوصاً مع مخاوف تتعلق بالتلوث والضوضاء وفرص العمل التي قد لا تكون، من وجهة نظرهم، بالحجم الذي تبرره الاستثمارات.
يدفع السباق العالمي للسيطرة على قطاع الذكاء الاصطناعي شركات التكنولوجيا إلى بناء مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة.
وتتوقع شركة «بلومبرغ إن إي إف» أن تستهلك مراكز البيانات الأميركية بحلول عام 2035 كمية من الغاز الطبيعي تفوق استهلاك ألمانيا واليابان مجتمعَتين، وهي توقعات تضاعفت تقريباً مقارنة بتقدير الشركة قبل تسعة أشهر فقط.
اقتصاديا، يعني ذلك أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تخلق طلباً على الرقائق والخوادم فقط، بل تعيد تشكيل أسواق الطاقة نفسها. ومع توسع مراكز البيانات، يمكن أن تصبح الكهرباء والغاز والمياه عوامل رئيسية في تحديد تكلفة تشغيل الاقتصاد الرقمي.
رغم أن الغاز الطبيعي أقل تلويثاً من بعض أنواع الوقود الأحفوري، مثل النفط، فإنه لا يخلو من الأثر البيئي. ووفق الأرقام التي أوردها التقرير، يؤدي حرق قدم مكعبة واحدة من الغاز الطبيعي إلى إطلاق ما يعادل نحو 60 غراماً من ثاني أكسيد الكربون.
كما تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن الطلب الإضافي المرتبط بمراكز البيانات قد يؤدي إلى نحو مليون طن متري إضافي من انبعاثات غازات الدفيئة يومياً، وهو رقم يعادل نحو 12% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة الحالية في الولايات المتحدة.
وتزداد المخاوف في بنسلفانيا بسبب اعتماد مراكز البيانات المخطط لها على مئات محركات الديزل، التي تُستخدم عادة كمصادر احتياطية للطاقة. ويشير محامون بيئيون إلى أن هذه المولدات قد تُستخدم بصورة أكبر عندما يتعرض نظام الكهرباء لضغوط خلال موجات الحر.
تقدم شركات مراكز البيانات نفسها باعتبارها محركاً للاستثمار وإنشاء الوظائف، لكن الاعتراض المحلي يتركز جزئياً على توزيع المكاسب والتكاليف.
إذا حصلت الشركات على الكهرباء والمياه من موارد محدودة، فإن السؤال الاقتصادي لا يعود متعلقاً بحجم الاستثمار فقط، بل بمن يدفع تكلفة البنية التحتية اللازمة له، وما إذا كانت المجتمعات المحلية تحصل على عائد يتناسب مع تلك الكلفة.
وتتخوف بعض المجتمعات أيضاً من ارتفاع فواتير الخدمات أو تراجع الموارد المتاحة للسكان، وهي مخاوف عبّرت عنها حاكمة نيويورك كاثي هوكول عند توقيع أمر تنفيذي يوقف مؤقتاً الموافقات على تصاريح مشاريع كبيرة، مؤكدة أن التقدم يجب ألا يأتي على حساب ارتفاع فواتير الخدمات أو المياه أو الضوضاء.
لم تعد الاعتراضات محصورة في فيلادلفيا. فقد أقرت مدن أميركية عدة قرارات بوقف مؤقت أو تجميد مشاريع مراكز البيانات، بهدف منح المسؤولين وقتاً لدراسة آثارها المحتملة.
هذا الاتجاه يعكس تحولا اقتصاديا مهما: فمراكز البيانات لم تعد مجرد منشآت تقنية، بل أصبحت مشاريع بنية تحتية ضخمة ترتبط بالطاقة والمياه والعقارات والوظائف والإنفاق الحكومي والتنظيم البيئي.
وفي النهاية، تكشف هذه المواجهة أن طفرة الذكاء الاصطناعي لها فاتورة تتجاوز تكلفة الرقائق والخوادم. فكلما توسعت الصناعة، أصبحت الحاجة أكبر إلى الكهرباء والغاز والمياه والأراضي، ما يضع الشركات والحكومات أمام معادلة اقتصادية جديدة بين جذب الاستثمارات وحماية الموارد التي تعتمد عليها المدن وسكانها.