
تتجه السلطات الليبية نحو إعادة النظر في النموذج الذي أُدير به قطاع الكهرباء لعقود طويلة، والذي اعتمد بشكل شبه كامل على الموازنة العامة للدولة لتغطية النفقات الرأسمالية والتشغيلية. ففي ظل تنامي العجز المالي والضغط الفني المستمر على شبكات التوليد والنقل والتوزيع، لم يعد الاعتماد على الدولة وحدها كافياً لتلبية احتياجات النمو الاقتصادي، أو مواكبة حجم الاستثمارات الضخمة المطلوب ضخها لتحديث المنظومة الوطنية.
وتتزامن هذه التحركات مع استمرار انقطاعات التيار وتزايد انعكاساتها المباشرة على النشاط الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه البنية التحتية للطاقة إلى برامج صيانة وتوسعة عاجلة. ومع انخفاض المرونة الحالية للمالية العامة، بدأت المؤسسات المعنية دراسة خيارات الهيكلة وتطوير أطر تشريعية ومالية تتيح للقطاع الخاص ورؤوس الأموال الاستثمار في مشاريع التوليد والطاقة المتجددة.
لا تقتصر آثار أزمة الكهرباء على البعد الخدمي الموجه للمنازل، بل تمتد إلى القطاع الصناعي وتكاليف الإنتاج. وفي هذا السياق، أوضح «المجلس الليبي للأعمال» في تقييماته الميدانية أن العديد من المنشآت الصناعية باتت تواجه انقطاعات متكررة تمتد لعدة أيام، ما يضطرها للاعتماد على المولدات الخاصة.
وقد أدى ارتفاع أسعار الديزل في السوق الموازي إلى مستويات تراوحت بين ثلاثة وأربعة دنانير للتر إلى زيادة التكلفة الإجمالية للإنتاج وتراجع التنافسية للسلع المحلية، على الرغم من أن حصة القطاع الصناعي لا تتعدى 11% من إجمالي الاستهلاك الوطني، وهو ما يعكس حجم الخسائر التشغيلية التي يتكبدها الاقتصاد نتيجة غياب جداول منسقة لفصل الأحمال.
وإلى جانب كلفة التشغيل المباشرة، يبرز البعد التمويلي للوقود الأحفوري كأحد أكبر التحديات الهيكلية. إذ تُظهر أحدث أرقام «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» (EIA) أن الغاز الطبيعي استحوذ على 71% من إجمالي توليد الكهرباء في ليبيا، مقابل 29% للنفط والمنتجات النفطية، حيث يستهلك قطاع التوليد نحو 88% من الاستخدام المحلي للغاز.
تؤكد الإدارة أن تراجع الإنتاج في حقول رئيسية مثل «بحر السلام» و«الوفاء» يزيد الضغوط على إمدادات السوق المحلي، ما يضع قطاع الكهرباء في منافسة مباشرة مع فرص تصدير الغاز بالسعر العالمي أو استخدامه في الصناعات التحويلية. ومن هنا، تكتسب مشاريع الطاقة المتجددة أهمية اقتصادية مزدوجة لا تقف عند زيادة قدرات التوليد، بل تمتد لتحقيق وفر مالي مباشر من خلال تقليل استهلاك الوقود الأحفوري وتوجيه الكميات المحررة للتصدير لدعم الإيرادات الخارجية للدولة وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات.
التحول الجاري لا يتوقف عند حدود إضافة قدرات توليد جديدة، بل يمتد إلى الابتكار في هندسة التمويل وتقليل الاعتماد على الديون الحكومية المباشرة. وفي هذا الإطار، ناقشت وزارة الاقتصاد والتجارة بالتعاون مع «جهاز الطاقات المتجددة» و«شركة الطاقات المتجددة القابضة» فتح فرص الاستثمار والاكتتاب أمام القطاع الخاص والمواطنين. حيث طُرِح مشروع لإنتاج 100 ميغاواط من الطاقة المتجددة باستثمارات تقديرية تبلغ 500 مليون دينار ليبي وفق التكلفة الإقليمية لإنشاء الميغاواط الشمسية.
يعتمد هذا المقترح على تأسيس شركة ذات غرض خاص لتكون كلياً بمعزل عن ديون الدولة، على أن تُمول عبر إصدار صكوك استثمارية كصكوك الإجارة أو المشاركة وتطرح للاكتتاب العام. وتُسدد عوائد هذه الصكوك للمستثمرين من خلال مبيعات الكهرباء وفق عقود شراء طويلة الأجل، مما يحول المشروع إلى أصل مالي يُدر تدفقات دورية مقيسة ومستقرة.
لكي ينجح هذا النموذج ويتحول إلى بيئة جاذبة لرؤوس الأموال، يتطلب الأمر معالجة عدد من المخاطر المالية والائتمانية المفصلية. فبالنظر إلى أن معظم المعدات والتكنولوجيا تُستورد بالدولار أو العملات الأجنبية بينما تُحصَّل الفواتير بالدينار الليبي، تحتاج المشروعات إلى أطر تحوط مالي أو ربط جزئي لتعرفة البيع بسلة عملات لتفادي مخاطر تقلب سعر الصرف وضمان خدمة الدين.
في الوقت ذاته، نظراً لأن المشتري الرئيسي للكهرباء هو مؤسسة حكومية، تطلب المؤسسات التمويلية والبنوك وضع آليات حماية ائتمانية مثل حسابات الضمان المشروط أو الضمانات السيادية لضمان الانتظام في سداد المستحقات. كما يمثل الانتقال من بيع الكهرباء بالسعر المدعوم إلى التعرفة الاقتصادية حجر الزاوية في نماذج «منتجي الكهرباء المستقلين» (IPPs)، وهو ما يتطلب تغطية فارق الدعم عبر مخصصات مباشرة في الموازنة لصالح المشتري الموحد بدلاً من تحميل الخسارة لشركات الإنتاج.
وتوازياً مع هذه الخطوات، تسعى ليبيا لاستقطاب الخبرات الدولية، حيث بحث «جهاز الطاقات المتجددة» مع ممثلين عن الجانب البريطاني فرص مشاركة الشركات العالمية لنقل التكنولوجيا وتوطين مشروعات الطاقة في السوق المحلي.
لن يقتصر فتح السوق على المحطات الكبرى، بل سيشمل أيضاً أدوات التوليد الموزع التي تتيح للمنشآت والمصانع إنتاج احتياجاتها وبيع الفائض. حيث تدرس السلطات تطبيق آليات مثل «تعرفة التغذية» (Feed-in Tariff) التي تحدد سعراً معلناً ومضموناً لشراء الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة، إلى جانب نظام «صافي القياس» (Net Metering) الذي يتيح لكبار المستهلكين ربط وحدات التوليد الخاصة بهم بالشبكة العامة وخصم الفائض المصدر من فاتورة الاستهلاك المباشر.
وقد أثبتت هذه الأدوات نجاحاً ملموساً في أسواق إقليمية مجاورة مثل الإمارات والسعودية ومصر، حيث أسهمت في استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات وتخفيف الضغط المباشر على شبكات النقل الحكومية.
في سياق الإصلاح المؤسسي، تؤكد تقييمات «البنك الدولي» (World Bank) الخاصة بقطاع الكهرباء الليبي أن نجاح مشاركة القطاع الخاص يبقى مرهوناً بمعالجة التداخل بين وظائف التوليد والنقل والتوزيع والتنظيم التي تجمعت سابقاً داخل كيان واحد.
وتتطلب خريطة الإصلاح تنفيذ الفصل الوظيفي الشامل عبر تأسيس شركات توليد تعمل ككيانات تجارية مستقلة تتنافس على كفاءة التكلفة، وإيجاد مشغل محايد لشبكة النقل القومية يضمن الوصول المنصف والشفاف لجميع المنتجين، فضلاً عن إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة تتولى تحديد التعرفات، وإصدار التراخيص، ومراقبة تنفيذ عقود الشراء وفض النزاعات بحيادية تامّة.
ويبقى انتقال قطاع الكهرباء في ليبيا من التمويل الحكومي الكامل إلى نموذج الشراكة مع القطاع الخاص مرهوناً بأكثر من مجرد الإعلان عن مشروعات أو طرح فرص استثمارية. إذ يعتمد على قدرة السلطات على استكمال الإطارين التشريعي والتنظيمي، وصياغة عقود متوازنة لتوزيع المخاطر وضمان سداد المستحقات، بما يمنح المستثمرين والمؤسسات التمويلية رؤية اقتصادية مستقرة تدعم الاستدامة المالية والفنية للقطاع.