
تحركات ليبية مكثفة لإعادة إحياء مشروع تطوير حقل غاز الحمادة غربي البلاد الغني باحتياطيات تصل إلى نحو 3 تريليونات قدم مكعبة، وسط منافسة 4 شركات عالمية بعد نحو عامين من تجميده بعد خلافات داخلية مع تطلعات لإنعاش فرص مواجهة أزمة قطع التيار الكهربائي.
وفي حديثه لـ«إرم بزنس»، يرى محلل ليبي أنه يجب استكمال المشروع وخطط تطويره والبدء فوراً فيه، مؤكداً أنه «في حال إتمام تنفيذه وفق الجدول الزمني المقترح نهاية عام 2026 فإنه سيسهم في تعزيز أزمة الطاقة وإنعاش خطط مواجهة نقص الكهرباء وقطع التيار».
ويوضح خبير ليبي دولي في قطاع النفط أن الحقل يذهب للتطوير وسط رؤيتين لإنجازه بين إسناده لجهة حكومية وأخرى أجنبية، ولم تحسم بعد، متوقعاً أن «يغطي إنتاج الحقل جزءاً كبيراً من الاستهلاك المحلي من الغاز».
ويبلغ إنتاج الغاز الطبيعي اليومي في ليبيا 220 ألفاً و638 برميلاً مكافئاً يومياً، تصدّر ليبيا 24% من إنتاجها من الغاز الطبيعي، والباقي يوزع 49% للاستخدام المحلي، و11% للتشغيل و16% للحرق، وفق إعلام ليبي.
بحسب ما نقلته «بلومبرغ» أوائل سبتمبر الجاري، ترغب المؤسسة الوطنية للنفط في أن تتولى شركتها التابعة الخليج العربي للنفط تطوير رواسب الغاز المكتشفة في القطعة (NC-7) بحقل الحمادة غرب ليبيا، التي تحتوي على احتياطيات تصل إلى نحو 3 تريليونات قدم مكعبة.
وسيكون ذلك التطوير المحتمل بالتعاون مع 4 شركاء عالميين وفقاً لرسالة من المؤسسة الوطنية للنفط إلى عبد الحميد الدبيبة، رئيس وزراء الحكومة الليبية، بحسب «بلومبرغ».
وقال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، في الرسالة، إن استغلال مصادر جديدة بحلول نهاية 2026 أمرٌ بالغ الأهمية للبلاد لتجنّب استخدام واردات الوقود المكلفة وتلبية الطلب الصناعي على الكهرباء.
ويُعد استغلال موارد ليبيا من الغاز، المقدرة بنحو 53 تريليون قدم مكعب وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، أمراً حاسماً للسلطات من أجل الوفاء بالتزامات التصدير وتلبية الطلب المحلي المتزايد.
ويُتوقع أن يكون مشروع (NC-7) من أكبر المشروعات الجديدة في البلاد، بعدما تعثرت خطة سابقة لتطوير هذه الاكتشافات في عام 2023 بعد اعتراضات ليبية على نسبة الأرباح المخصصة للشركات الأجنبية، وفق المصدر ذاته.
ولا توجد مؤشرات على وجود معارضة مماثلة لتلك التي جمّدت محاولات المؤسسة الوطنية للنفط والدبيبة لاستغلال القطعة (NC-7) قبل نحو عامين. عقب اعتراض وزير النفط حينها، محمد عون، على الحصة البالغة 40% الممنوحة للشركات الأجنبية، واصفاً إياها بأنها مرتفعة للغاية وغير مسبوقة»، بحسب «بلومبرغ».
يرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن المشروع مهم لليبيا وسيكون عنصراً إيجابياً في إنهاء أزمة الطاقة المعقدة سنوياً.
وأوضح أنه في حال إتمام تنفيذ المشروع وفق الجدول الزمني المقترح نهاية عام 2026، سيسهم في تعزيز الجهد الكهربائي وربط المحطات الكهربائية بمنظومة الغاز الطبيعي ويدعم استمرار عملها دون توقف، ولا تكون رهينة لتوفر الوقود الثقيل الذي شهد في الفترة الأخيرة تذبذباً وعدم انتظام في الاستيراد، وبالتالي القضاء على نسبة كبيرة من أزمة الكهرباء.
ولفت إلى أن «أغلب المحطات الكهربائية في ليبيا تعمل بما يعرف بالدورة المزدوجة (الوقود الثقيل والغاز الطبيعي) والمعروف أن تشغيل المحطات بالغاز الطبيعي يعمل على استدامة عمر المحطات، وميزة ثانية غير ملوث للهواء وأيضاً أرخص من الوقود الثقيل وبالتالي من المهم البدء في المشروع سريعاً».
من جانبه، أوضح الخبير الليبي السابق في منظمة (أوبك)، محمد الشحاتي، لـ«إرم بزنس»، أن هناك رأيين حول تطوير الحقل، الأول هو أن شركة الخليج العربي التي حقّقت الاكتشاف في هذه القطعة ولديها منظومة إنتاجية في الحمادة الحمراء هي المؤهلة لتنفيذ هذا المشروع وهي قادرة فنياً على العمل به، ولكن ينقصها التمويل وهو ما أخرها كل هذه المدة عن استغلال الكشف الذي حققته.
والرأي الثاني يقول، بحسب الشحاتي، إن «الحكومة عاجزة وستبقى عاجزة عن تمويل هذا المشروع، ويتم رفد هذا الرأي بأنه حتى لو كانت شركة الخليج قادرة فنياً على أداء هذا المشروع، فإنها ستضخم التكاليف مقارنة بالمشاركة الأجنبية، كما يحدث في مواقع أخرى وربما بطريقة أبطأ من الشركات الأجنبية، والدولة تحتاج إلى إنجاز سريع لتعويض الفاقد في إنتاج الغاز الطبيعي.
وأصحاب الرأي الأول يجادلون بأن استدعاء شريك أجنبي، خصوصاً في الوقت الحالي، سيجبر الدولة على إعطاء تنازلات كبيرة بسبب انخفاض أسعار الغاز والنفط، وهو ما يقلل من ضرورة التسرع بإعطاء الامتياز إلى شركات أجنبية، بجانب وجود قرار من البرلمان بعدم إعطاء المشروع لشركات أجنبية، بحسب الشحاتي.
ويخلص الشحاتي قائلاً: «كل هذه العوامل والآراء تتفاعل وتبطئ من المشروع، ومثل هذه الحالة حدثت في الجزائر وكان الحل أن يتم تفعيل المشروع بنموذج عقد الخدمة وليس عقد المشاركة خصوصاً أن الإنتاج في معظمه سيوجه للسوق المحلية وليس للتصدير، وعقد الخدمة (service contract) يعطي نموذجاً أكثر مرونة لتوظيف الاستثمار الأجنبي».
وعن سبل دعم المشروع لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا، أكد أنه «لم يقل أحد إن إنتاج هذا الحقل سيكفي الاستهلاك المحلي، هو سيغطي جزءاً كبيراً من الاستهلاك المحلي من الغاز وطبعاً هذا قد يحتاج معدل ثلاث سنوات بعد بداية الاستثمار، يعني لو بدأ الاستثمار اليوم سيبدأ الإنتاج في 2028، ولا يوجد ما يشير إلى أن هناك استراتيجية للتصدير حتى الآن، مما يعني أن تتم تغطية الطلب المحلي».
وتعاني ليبيا، منذ 2011، عجزاً في الكهرباء، جراء عدة أسباب، بينها أزمات عدم الصيانة والأعطال التي تواجه 10 محطات كبرى في البلاد، وكذلك أعمال تخريبية طالت خطوط الجهود العالية جراء أوضاع أمنية متردية وسط صراع حكومتين، شرق البلاد وغربها.
وكان انقطاع الكهرباء، خاصة مع حلول الصيف، سبباً بخروج احتجاجات عديدة بين عامي 2020، و2023، ولم يسلم صيف 2024، ولا 2025، من الانقطاعات، وانتشار المولدات الخاصة وسط عجز يصل إلى 1000 ميغاواط شتاءً، وأكثر من 2500 ميغاواط صيفاً، رغم إنتاج للطاقة الكهربائية بين 5.5 و8 آلاف ميغاوات يومياً، وفق إعلام محلي.
ولمواجهة الأزمة، تسعى الشركة العامة للكهرباء في البلاد (مقرها طرابلس)، لرفع طاقتها الإنتاجية إلى 14 ألفاً و834 ميغاواط بحلول عام 2025، و21 ألفاً و669 ميغاواط بحلول عام 2030، وفق تصريحات سابقة لمسؤولين في الشركة لإعلام محلي.