logo
طاقة

من النفط إلى الطاقة الشمسية.. هل يبدأ التحول الاقتصادي في ليبيا؟

الغويل: الشمس خيار استراتيجي لتغطية الاحتياجات المحلية والتصدير

بوزعكوك: ليبيا مؤهلة لتصدير الكهرباء إلى أوروبا

الغابر: نحتاج لتشريعات واضحة ومناخ استثماري لجذب الشركات العالمية

من النفط إلى الطاقة الشمسية.. هل يبدأ التحول الاقتصادي في ليبيا؟
ألواح شمسية في بلدة درج غربي ليبيا، بتمويل من الاتحاد الأوروبي. المصدر: الموقع الإلكتروني لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تاريخ النشر:

تمتلك ليبيا إمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية بفضل موقعها الجغرافي المتميز في قلب الصحراء، ورغم التعقيدات السياسية واقتصاد قائم يعتمد 98% من إيراداته على النفط، تتسع خريطة استثمارات الطاقة النظيفة عبر مشاريع واتفاقيات دولية، مع تزايد الطلب عالمياً.

يتفق مسؤول ليبي رقابي وخبراء اقتصاد وطاقة، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، على أن ليبيا تمتلك كنوزاً حقيقية من مخزون الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة، وقادرة على الاستمرار في جذب استثمارات نظيفة، لا سيما مع تزايد الطلب العالمي عليها في ظل مزايا استثمارية محلية تجبلها شمس الصحراء الليبية، متوقعين أن تكون الطاقة المتجددة مفتاح ليبيا لبناء اقتصاد مستقر يتجاوز سيطرة النفط على إيراداته.

خيار استراتيجي

تعد ليبيا من أغنى دول العالم في الإشعاع الشمسي، إذ تتجاوز ساعات السطوع أكثر من 3,000 ساعة سنوياً، ما يجعل الطاقة الشمسية خياراً استراتيجياً لتغطية الاحتياجات المحلية بل والتصدير إلى أوروبا، وفق تأكيد وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل في حديث لـ«إرم بزنس».

يؤكد المسؤول الليبي أن «هذا المورد المتجدد يمكن أن يشكل ركيزة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، ويعمل على نمو الفرص الاقتصادية استناداً للتحولات العالمية في مجال الطاقة».

يمثل النفط القوة الدافعة للاقتصاد الليبي، إذ يشكل قرابة 96% من الصادرات، وما يصل إلى نحو 98% من إيرادات خزينة الدولة. وفي 13 يناير 2025، أعلن المصرف المركزي الليبي أن عائدات النفط في عام 2024 تراجعت بنسبة تقارب 23% لتصل إلى 76.7 مليار دينار ليبي (14.15  مليار دولار)، مقارنة بـ99.1 مليار دينار (18.28 مليار دولار) في عام 2023.

أخبار ذات صلة

محطة وقود في العاصمة الليبية طرابلس، 19 أبريل 2020.

طوابير الوقود في ليبيا.. أزمة متجددة وحلول مؤجلة

يرى الغويل أنه في «ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر وتزايد الطلب العالمي، لا سيما الأوروبي، على الكهرباء النظيفة، يمكن لليبيا أن تجذب استثمارات أجنبية في مشاريع شمسية ورياح ضخمة، وتؤسس لصندوق وطني للطاقة المتجددة يدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحقق إيرادات تصديرية مستقبلية عبر الربط مع الشبكة الأوروبية أو مع جيرانها الإقليميين».

يتطلب توليد 1 ميغاواط من الكهرباء توفير 300 لتر من الوقود الخفيف بتكلفة تبلغ نحو 300 دولار، بينما تقدر تكلفة توليد السعة نفسها من الطاقة المتجددة بأقل من 20 دولاراً، وفق تقديرات غير رسمية.

تحديات

لكن هذا المسار المحتمل لبوابة واسعة من الاستثمارات النظيفة يواجه، بحسب «الغويل»، تحديات عديدة، قائلاً إنّه «رغم الإمكانات، فإن غياب الاستقرار السياسي والمؤسسي وضعف البنية التحتية حال دون دخول استثمارات واسعة النطاق. كذلك، غياب التشريعات المنظمة والجهات التنفيذية القادرة على إدارة المشاريع طويلة الأجل جعل ليبيا متأخرة مقارنة بجيران مثل مصر وتونس والمغرب».

يخلص المسؤول الليبي إلى أنّه «إذا نجحت ليبيا في معالجة العراقيل السياسية والقانونية، فإن الطاقة المتجددة، لا سيما الشمسية، قد تكون بالفعل مفتاحاً لبناء اقتصاد مستقر بعد النفط، مستفيدة من تلك الكنوز الاستثمارية، وتمنح دفعة قوية للاقتصاد عبر خلق فرص عمل، دعم الاستدامة، وتخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري».

مزايا استثمارية

«امتلاك ليبيا مساحات صحراوية شاسعة، ونسب إشعاع وسطوع شمسي أغلب أيام السنة يؤهلها لتكون مصدراً هاماً لتوليد الكهرباء عبر نظام الطاقة المتجددة وبالإمكان إعادة تصديرها إلى أوروبا»، وفق رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس».

هناك مزايا تعجل بتلك الشراكة مع أوروبا، بحسب «بوزعكوك»، منها «قرب المسافة ورغبة الجانب الأوروبي في الاستثمار في الطاقة النظيفة، وأيضاً وجود استقرار أمني في الجنوب بسبب فرض سيطرة القوات المسلحة الليبية لنفوذها في الصحراء الليبية، مما يساهم في حماية المرافق والمنشآت المزمع تنفيذها من الاعتداءات والتخريب».

لفت إلى مشروع إنشاء أول محطة للطاقة الشمسية في منطقة الكفرة جنوب شرق ليبيا، مؤكداً أنّ «هذا المشروع بداية لمرحلة جديدة تعتمد على استغلال الشمس، المورد الأضخم والأكثر استدامة، لتغطية احتياجات الكهرباء خصوصاً في المناطق النائية التي تفتقر للكهرباء».

يخلص بوزعكوك أيضاً إلى أنّ «ليبيا لها مستقبل واعد وبالإمكان أن تتحول تدريجياً من الاعتماد الأحادي على النفط، إلى تنويع مصادر الدخل والطاقة».

بالمثل، يؤكد المستشار السابق بوزارة النفط والخبير في قطاع الطاقة، أحمد الغابر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنّ «موقع ليبيا وإمكانياتها الطبيعية الحالية الغنية بمصادر الطاقات المتجددة النظيفة تعتبر فنياً ولوجستياً من أكثر مواقع العالم قدرة على إحداث تغيير إيجابي مميز في توفير قدر كبير من الطاقات المتجددة بإنتاجية عالية وتكلفة مناسبة، وتقل منتجاتها إلى الدول المجاورة في منطقة البحر المتوسط والعالم أجمع».

أخبار ذات صلة

ميناء البريقة البحري، ليبيا.

ليبيا وتركيا.. ترسيم حدودي مرتقب يشعل الصراع حول غاز شرق المتوسط

يدعو الغابر إلى «بذل مؤسسات الدولة الليبية جهداً أكبر وأوسع في هذا القطاع، وتأهيل كوادرها وتوفير المناخ العلني واللوجستي اللازم لخلق قطاع فعّال لتنفيذ مشاريع جادة في مجال الطاقات المتجددة، ليناسب مقدرات البلاد الطبيعية، وينجح في تجاوز عقود من عدم تطوير القدرات الطاقية المتجددة أو تحديات الأزمة السياسية وما شابها، مما يمنح ليبيا حقها الطبيعي في الاستفادة من كنوزها في قطاع الطاقة المتجددة وتكون بوابة واسعة تجذب استثمارات نظيفة من مختلف أنحاء العالم».

«كنز استراتيجي»

بحسب الأرقام والإحصائيات الرسمية، تقع ليبيا في قلب الحزام الشمسي، وتتمتع بأكثر من 3200 ساعة من السطوع الشمسي سنوياً، كما يصل مستوى الإشعاع الشمسي إلى 6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً، ويرتفع إلى 8.1 كيلوواط/ساعة/متر مربع في المناطق الجنوبية، بفضل الصحراء التي تغطي 88% من مساحة ليبيا، والتي تشير التقديرات إلى أنّ كل كيلومتر مربع من هذه الصحراء يستقبل طاقة تعادل 1.5 مليون برميل من النفط الخام سنوياً.

تستهدف استراتيجية الطاقة المتجددة في ليبيا رفع حصة تلك المصادر النظيفة إلى 20% بحلول عام 2035، وكذلك الوصول إلى قدرة توليد من مصادر متجددة تبلغ 4 غيغاواط بحلول العام نفسه، عبر 3 مراحل رئيسة تبدأ بقدرة 1.7 غيغاواط في 2027، ترتفع إلى 2.5 غيغاواط بحلول 2030، ثم إلى الهدف النهائي في 2035.

ومع توقيع مذكرات تفاهم مع دول مثل مالطا في يونيو 2023، لتصدير الطاقة المتجددة إلى أوروبا، تمضي ليبيا في مسارها نحو الطاقة النظيفة، أيضاً عبر العديد من التعاونات مع الشركات الدولية البارزة مثل اتحاد «جي تي سي هولدينغ» الألماني (GTG Holding) ومعهد «فراونهوفر» للطاقة الشمسية، وشركات «ألفا أبوظبي القابضة» و«باور تشاينا» (PowerChina) و«الكهرباء الفرنسية» (EDF) و«أيه جي إنرجي» (AG Energy).

ومن أبرز مشاريع الطاقة المتجددة في ليبيا، محطة الطاقة الشمسية في «الكفرة» جنوب ليبيا، التي انطلقت يوليو الماضي، وتنتج 2,182 ميغاواط/ساعة سنوياً؛ ما يوفر 545 ألف لتر من الديزل ويقلل انبعاثات الكربون بنحو 1,300 طن سنوياً.

كما أنّه جارٍ تطوير محطة «السدادة» التي تضم 1.2 مليون لوح شمسي، وتنتج نحو 152 تيراواط/ساعة سنوياً، ومن المقرر إعادة تشغيلها بعد 4 سنوات من التحديث في 2026، بخلاف مشروع محطة «غدامس» للطاقة الشمسية في منطقة نالوت على مساحة 500 هكتار، والمتوقع تشغيله في 2027.

كذلك محطة «بني وليد» للطاقة الشمسية، التي تبلغ قدرتها الإنتاجية 50 ميغاواط، ومن المتوقع أن تبدأ التشغيل التجاري خلال العام الحالي 2025، بخلاف العمل على إنشاء محطات أخرى مثل محطة «تاجوراء» بقدرة 115 ميغاواط. هذا بالإضافة إلى التخطيط لإنشاء محطة للطاقة الشمسية في شرق ليبيا ستعمل بقدرة 1500 ميغاواط، وأخرى بقدرة 50 ميغاواط في بنغازي.

وتستعد ليبيا لإطلاق أكبر محطات لتوليد الكهرباء من الطاقة النظيفة بهدف تصديرها إلى أوروبا عبر اليونان، وذلك من خلال محطتي «المخيلي» و«طبرق» (شرقي البلاد)، بالإضافة إلى محطة أخرى في الجنوب.

يضاف إليها مبادرة «Go Green» التي أطلقتها هيئة الطاقة المتجددة مؤخراً بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لتركيب 12 ألف نظام شمسي على أسطح المنازل والمباني العامة والزراعية والصناعية، في جميع أنحاء البلاد، بقدرة 500 ميغاواط خلال 5 سنوات.

وسعر اللوح الشمسي بقدرة 550 واط، التي تُعد القدرة الأكثر تداولاً حالياً، يتراوح بين 750 و1000 دينار ليبي (بين 139 و185 دولاراً بالسعر الرسمي).

فيما تتوقع تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا»، أنّ ليبيا يمكن أن تكون من الدول الرائدة إقليمياً في مجال الطاقة الشمسية، إذا تمكنت من تفعيل الإطار التشريعي المناسب، ودعم الاستثمار في المشروعات المتجددة، لا سيما في المناطق النائية والجنوبية التي تعاني من نقص حاد في الكهرباء.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف