logo
اقتصاد

فائض ميزانية ليبيا.. فرصة للتنمية المستدامة أم بوابة لشراكات دولية؟

فائض ميزانية ليبيا.. فرصة للتنمية المستدامة أم بوابة لشراكات دولية؟
ميناء البريقة النفطي في شرق ليبيا يوم 24 سبتمبر 2020.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

في أول 7 أشهر من عام 2025، سجّلت ليبيا فائضاً مالياً بلغ 7.4 مليار دينار، حوالي (1,364) مليار دولار، مع إيرادات إجمالية بلغت 73.5 مليار دينار مقابل إنفاق 66.1 مليار دينار، مدعوماً بإيرادات نفطية قوية تشكل 98% من الإجمالي، في الوقت الذي تواجه عجزاً في العملة الأجنبية يقارب 5.2 مليار دولار. مما يطرح تساؤلات حول إمكانية استثمار الفائض في التنمية المستدامة، وفرص الاستقرار المالي طويل الأمد.

يأتي الفائض في سياق يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، حيث بلغت مبيعات الخام 60.9 مليار دينار و(الإتاوات) النفطية 10.9 مليار دينار، مقابل إيرادات غير نفطية محدودة تبلغ مليار دينار من الضرائب و135 مليوناً من الجمارك. وفقاً لبيان مصرف ليبيا المركزي، يعكس هذا الاعتماد ضعف التنويع، مع عجز دولاري ناتج عن تجاوز الاستخدامات للموارد الأجنبية.

أما اعتماد مشروع موازنة 2025، البالغ 160 مليار دينار أي أكثر من (29 مليار دولار)، فقد تأخر سبعة أشهر؛ بسبب عدة عوامل أبرزها: الانقسام السياسي ونقص الشفافية وتناقض الأرقام، إلأ أن اجتماعاً سابقاً في طرابلس جمع مجلس النواب والمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، أسفر عن اتفاق على إصلاحات فورية تشمل زيادة دعم الطاقة وتحسين الرقابة على الإنفاق.

تبدو استدامة الفائض مهددة بتقلبات أسعار النفط والانقسام المؤسساتي، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً في الناتج المحلي بنسبة 17.3% في 2025 مدعوماً بانتعاش الإنتاج النفطي، لكنه يتباطأ إلى 2% على المدى المتوسط دون إصلاحات هيكلية لترشيد الدعم وتوحيد الموازنة. 

أخبار ذات صلة

منظر يظهر حقل الفيل النفطي بالقرب من مرزق، ليبيا

صندوق النقد: اقتصاد ليبيا الأسرع نمواً عربياً بـ17.3% خلال 2025

يقول خالد بوزعكوك، رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والمسؤول عن دراسات التنمية المالية، «إن تأجيلات الميزانية الناتجة عن ضغوط دولية ومحلية قد تحوّل الفائض إلى عجزٍ إذا لم يتم التنويع، مستنداً إلى تجارب سابقة حيث أدى نقص الشفافية إلى تضخم بنسبة 5-7%».

من جهته، يرى محمد البوعيشي، الخبير الاقتصادي السابق في البنك المركزي الليبي والمسؤول عن قسم السياسات المالية، «أن الاعتماد على النفط يجعل الفائض عرضة لتقلبات الأسعار، وقد يتحول إلى عجز إذا انخفض الإنتاج بنسبة 10%؛ بسبب الاضطرابات الأمنية».

في خضم هذا المشهد المالي، تتحرك ليبيا على مسارين متوازيين: جذب استثمارات دولية ضخمة، وإدارة خلافات مؤسسية داخلية.

استدامة وتنويع اقتصادي

تسهم سياسة التنويع الاقتصادي والشراكات في رفع الإنتاج النفطي إلى 1.6 مليون برميل يومياً قصير الأجل، نحو هدف 2 مليون برميل بحلول 2030، بشرط استثمارات 3-4 مليار دولار لإزالة الاختناقات. والجدير ذكره أن الإنتاج النفطي في وقتنا الحالي وصل إلى 1.4 برميل يومياً.

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، أعلنت قبل شهرين، عن خطة لرفع إنتاج البلاد النفطي بواقع 247 ألف برميل يومياً، في إطار مساعٍ وطنية لتحقيق توازن اقتصادي وتعزيز الإيرادات العامة وفق ما نقلته وكالة الأنباء الليبية.

ومن المتوقع أن تسهم الزيادة المستهدفة في الإنتاج بتحقيق إيرادات إضافية تُقدّر بنحو 6 مليارات دولار سنوياً، ما سيعزز قدرة المصرف المركزي على تلبية الطلب على النقد الأجنبي، ويقوي من استقرار الدينار الليبي.

الاتفاقيات الدولية

وبالرجوع إلى الشراكات، فهناك عدة اتفاقات من ضمنها، اتفاقية أميركية بين شركة «مليتة للنفط والغاز» وشركة «هيل إنترناشونال» لإدارة مشروع (Structures A&E) البحري بقيمة (8 مليارات دولار)، تهدف إلى إنتاج 750 مليون قدم مكعب غاز يومياً بحلول 2026، بالإضافة إلى صفقة بنية تحتية بـ(235 مليون دولار) لتعزيز الإمدادات وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها.

وبالمقارنة مع شراكات سابقة، كانت الاتفاقات الأوروبية مثل تلك مع إيطاليا عبر (Eni) في 2020 تركز على تطوير الغاز، لكنها ساهمت في زيادة الإنتاج بنسبة محدودة 5% بسبب المنافسة الإقليمية، مما عزز النفوذ الأوروبي في المتوسط دون تنويع كبير.

أما الشراكة مع تركيا، كمذكرة التفاهم مع (TPAO) التي وقعت في يونيو 2025 لدراسات جيولوجية في 4 مناطق بحرية بمسح زلزالي 10 آلاف كم، فقد دعمت أهداف الطاقة المتجددة بـ4 جيجاواط بحلول 2035 - 20% من المزيج الطاقي، مما يعزز التوازن الإقليمي لكن مع مخاطر جيوسياسية في المتوسط الشرقي.

هذه الشراكات السابقة أظهرت أن التركيز على «الهيدروكربونات» يدعم الإيرادات قصيرة الأجل، بمعنى أن التركيز على الطاقة يعزز الاستقرار الإقليمي، لكن التنويع يتطلب آليات رقابة دولية لتجنب تأثيرات التقلبات الجيوسياسية.

أخبار ذات صلة

منظر جزئي لميناء البريقة النفطي على بعد نحو 270 كيلومتراً غربي مدينة بنغازي شرقي ليبيا - سبتمبر 2020

إنتاج النفط في ليبيا يتجاوز 1.3 مليون برميل خلال 24 ساعة

التحدي الداخلي.. الإنفاق قبل الإيرادات

تظل فعالية هذه الشراكات مرهونة بالقدرة على حل المعضلات الداخلية. إذ حذر صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير من أن النمو الاقتصادي، رغم انتعاشه المتوقع في 2025، سيتباطأ إلى نحو 2% على المدى المتوسط ما لم يتم تنفيذ إصلاحات هيكلية.

وشدد الصندوق على ضرورة توحيد الميزانية واحتواء الإنفاق الجاري وترشيد دعم الطاقة لحماية الاستقرار المالي.

هذا الرأي، تدعمه مخاوف ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، الذي يعمل على كبح جماح الإنفاق لتجنب تفاقم التضخم ونقص السيولة. وقد أثمرت جهوده عن اتفاق مبدئي مع رئاسة مجلس النواب على إصلاحات فورية تشمل تحسين الرقابة على الإنفاق العام، لكن الصراع على النفوذ المالي بين المؤسسات المتنافسة لا يزال العقبة الأكبر.

إصلاحات مشروطة

والحل يكمن حسب دعوات خبراء اقتصاديين، إلى تحويل الفائض إلى تنمية مستدامة، والابتعاد عن الاعتماد بشكل كامل على النفط، بجانب ضرورة الاستثمار في التنويع الاقتصادي، إذ يؤكد تقرير صندوق النقد الدولي، أن الإصلاحات لترشيد دعم الطاقة وتوحيد الموازنة ضرورية للحفاظ على الاستقرار، فيما يؤدي غيابها إلى عجز في الحساب الجاري على المدى المتوسط.

رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي، خالد بوزعكوك، يؤكد أن تحويل الفائض إلى صناديق سيادية يحمي من التقلبات، مستنداً إلى تجارب دول نفطية أخرى حيث زاد النمو غير النفطي بنسبة 15%.

فيما تقول فاطمة الزروق، مديرة قسم الاقتصاد في البنك الدولي والمسؤولة عن تقارير شمال إفريقيا، «إن استثمار 20% من الإيرادات في البنية التحتية يحمي من التضخم، مستندة إلى نماذج دول نفطية أخرى حيث زاد النمو غير النفطي بنسبة 15%».

هذه الآراء تدعم ضرورة ربط الشراكات بالإصلاحات لتحقيق الاستدامة حتى يمكن أن تكون محفزاً للتنويع، بشرط ربطها بإصلاحات مالية.

جدول يظهر أداء الميزانية الليبية وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي 2025
جدول يظهر أداء الميزانية الليبية وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي 2025 المصدر: إرم بزنس

مع هذا الفائض والشراكات الناشئة، تبدو ليبيا أمام فرصة لتعزيز الاستقرار الجيوسياسي عبر الطاقة، لكن النجاح يعتمد على تحويل الإيرادات إلى استثمارات مستدامة، كما أظهرت تجارب دول نفطية أخرى في المنطقة حيث ساهم التنويع في تقليل الاعتماد على الطاقة بنسبة 25% خلال عقد، وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف