
أن تجلس في مقعدك الخلفي، وتترك سيارتك تنقلك إلى وجهتك دون أن تلمس المقود أو ترفع عينيك عن الهاتف، كان مشهداً من الخيال العلمي قبل سنوات. لكن اليوم، بات الحلم قريباً أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن السيارات ذاتية القيادة بالكامل لن تصبح واقعاً شائعاً قبل عام 2035 على الأقل.
فما الذي يؤخر الثورة التي وعدت بتغيير مفهوم القيادة إلى الأبد؟
تُقسَّم القيادة الذاتية إلى خمس مراحل، تبدأ من الصفر، دون أي أتمتة، وتنتهي بالمستوى الخامس، إذ تصبح السيارة قادرة على القيادة في جميع الظروف من دون تدخل بشري.
ما نشهده اليوم على الطرق هو مزيج من المستويين الثاني والثالث: أنظمة متقدمة مثل «تسلا أوتوبايلوت» أو «مرسيدس درايف بايلوت»، قادرة على المساعدة لا الاستقلال التام.
أما المستوى الرابع، الذي يسمح بالقيادة الذاتية في ظروف محددة، فهو قيد التطوير في بعض الشركات، بينما لا يُتوقع ظهور المستوى الخامس، القيادة المطلقة، خلال العقد القادم.
الخبير سام أبولسميد، نائب رئيس (Telemetry)، يوضح أن أنظمة «اليدين خارج المقود» مثل (Super Cruise) من «جنرال موتورز» ستبقى في صدارة السوق، بينما تظل أنظمة «العينين خارج الطريق» أكثر خطورة وتعقيداً على الصانعين.
منذ إطلاقه في عام 2017، تصدر نظام (Super Cruise) من جنرال موتورز سباق القيادة بلا استخدام اليدين.
ويستمر تطويره بسرعة لافتة، إذ تخطط الشركة لمضاعفة أسطول السيارات المجهزة به إلى 720 ألف مركبة بحلول نهاية العام، مع تغطية تمتد عبر 750 ألف ميل من الطرق في الولايات المتحدة وكندا.
يوفر النظام توازناً ذكياً بين الراحة والأمان، فهو لا يحرر السائق بالكامل، لكنه يقلل تدخله إلى الحد الأدنى، ويقول سام أبولسميد: «نرى زيادة ملحوظة في قدرات هذه الأنظمة، لكنها لا تزال بعيدة عن الاستقلال الكامل».
تشير توقعات (Telemetry) إلى أننا سنبدأ رؤية سيارات المستهلكين القادرة على القيادة الآلية في الطرق السريعة في أواخر هذا العقد.
وبحلول عام 2035، يُتوقَّع أن يصل عدد المركبات من الفئة الرابعة إلى أكثر من 16 مليون سيارة سنوياً حول العالم، معظمها في الصين، التي ستستحوذ على قرابة 10 ملايين منها.
ويتوزع الباقي بين 12 مليون روبوتاكسي، ومليوني مركبة توصيل، و2.4 مليون سيارة شخصية.
لكن الصين، رغم ريادتها في التجارب، فرضت قيوداً مشددة على القيادة الذاتية بعد حوادث مميتة في 2024، ومنعت استخدام مصطلحات «القيادة الذاتية» في التسويق.
رغم الزخم الكبير في تطوير أنظمة القيادة الذاتية، لا يزال الطريق طويلاً أمام الوصول إلى الاستقلال الكامل.
ويتلخص السبب في 3 جدران كبرى تقف بين التقنية والواقع:
بلغت أجهزة الاستشعار والكاميرات والليدار مستوى مذهلاً من الدقة، لكن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن التعامل مع المواقف غير المتوقعة:
طفل يعبر فجأة، أو طريق مبلل يغيّر سلوك الإطارات.
إنها اللحظات التي يُظهر فيها السائق «حدسه»، وهو ما لم تصل الخوارزميات إلى تقليده بعد.
من يتحمل المسؤولية في حال وقوع حادث؟ الشركة المصنعة؟ مطوّر النظام؟ أم مالك السيارة؟
غياب إطار قانوني عالمي واضح يجعل الشركات تتقدّم بحذر، خوفاً من التبعات القانونية الضخمة.
الثقة لا تُبنى بسهولة.
كثير من السائقين ما زالوا غير مستعدين لتسليم حياتهم لآلة، خصوصاً بعد حوادث وقعت لأنظمة المساعدة الذكية.
إنها معركة بين التطور التقني وغريزة البقاء الإنسانية.
باختصار، المشكلة ليست تقنية فحسب، بل نفسية وتشريعية أيضا.
الثورة القادمة لن تكون قفزة واحدة، بل سلسلة خطوات تمزج بين الذكاء الاصطناعي وحدس الإنسان.
كلما اقتربنا من الأتمتة الكاملة، ازدادت العقبات التي يجب تجاوزها:
القيادة الذاتية الكاملة ليست حلماً بعيداً، لكنها أيضاً ليست خلف الباب.
العقد المقبل سيشهد أكبر قفزة في تطور هذه التكنولوجيا، بفضل دمج الذكاء الاصطناعي، وتحسين شبكات الاتصال، وتعاون الحكومات مع الصانعين.
أنظمة مثل (Super Cruise) و(Waymo) تمهد الأرضية للمستقبل، لكن الوصول إلى سيارة تقود نفسها في كل الظروف سيبقى رحلة طويلة مليئة بالمحطات.
حتى ذلك الحين، سيبقى السائق ولو مؤقتاً جزءاً من المعادلة، لا مجرد راكب في عصر الذكاء الاصطناعي.