واشنطن تستهدف شرايين الاقتصاد
الريال والتضخم تحت الضغط

وسّعت الولايات المتحدة حملة «المنبوذ الاقتصادي» ضد إيران إلى قطاعي السيارات والسكك الحديدية، مستهدفة شركات محلية وموردين أجانب بعد سلسلة إجراءات طالت النفط والطيران وشبكات التمويل.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن الإجراءات تستهدف ما تبقى من البنية الصناعية المهمة لإيران، بعدما دفع الحصار على الموانئ طهران إلى زيادة الاعتماد على طرق النقل البرية لنقل النفط والكيماويات والأسمدة والسلع.
وتأتي العقوبات بينما يعاني الاقتصاد الإيراني انكماشاً حاداً وتضخماً مرتفعاً وانهياراً في الريال، وسط استمرار الحرب واضطراب صادرات الطاقة والتجارة عبر مضيق هرمز.
شملت العقوبات «إيران خودرو» و«سايبا»، اللتين قالت وزارة الخزانة إنهما تستحوذان على أكثر من 90% من سوق السيارات الإيرانية، إلى جانب شركة سكك حديد جمهورية إيران الإسلامية وعدد من شركات نقل الركاب والبضائع.
كما استهدفت الإجراءات موردين في تركيا وإندونيسيا، في محاولة لقطع إمدادات المكونات والخدمات التي تحتاج إليها الصناعة الإيرانية، بالتزامن مع إجراءات منفصلة ضد شبكة مالية مرتبطة بروسيا استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الخطوة تستهدف الجهات التي تساعد طهران، وتأتي ضمن مسعى لاستنزاف الإيرادات التي تقول واشنطن إنها تستخدم في تمويل الحرب وبرامج الصواريخ والحرس الثوري.
قال اقتصاديون في «إم يو إف جي»، أكبر مجموعة مصرفية في اليابان، إن الاقتصاد الإيراني دخل بصورة أعمق في أزمة ركود تضخمي خلال 2026، مع تداخل الحرب وتعطل صادرات النفط والعقوبات مع اختلالات اقتصادية متراكمة.
وأشار البنك إلى ارتفاع التضخم على أساس سنوي إلى 87.9% في يوليو، وصعود البطالة إلى 9.1%، بينما توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الحقيقي 5.4% خلال العام الحالي.
وأضاف «إم يو إف جي» أن استمرار القيود على صادرات النفط وإغلاق قنوات التجارة يبقي الاقتصاد تحت ضغط شديد، مع تراجع القوة الشرائية للأسر وتفاقم صعوبة الحصول على العملات الأجنبية.
هبط الريال الإيراني هذا الأسبوع إلى مستوى قياسي تجاوز 2.5 مليون ريال مقابل الدولار، في ظل الحرب والحصار والعقوبات وتراجع تدفقات العملات الأجنبية الناتجة عن صادرات النفط.
وقال محللون اقتصاديون إن انخفاض إيرادات النفط يقلص قدرة البنك المركزي على توفير الدولار وتمويل الواردات، بينما ينتقل ضعف العملة سريعاً إلى أسعار الغذاء والدواء والسلع المستوردة.
وكان «إم يو إف جي» قد أشار إلى أن مسار الاقتصاد سيظل مرتبطاً بصورة كبيرة بإعادة فتح قنوات تصدير النفط ومضيق هرمز، محذراً من استمرار التضخم المرتفع وتراجع دخول الأسر دون انفراج في تلك الجبهات.
تراجعت صادرات النفط الإيرانية بصورة حادة بعد تشديد الحصار البحري، بينما يمثل النفط ما يصل إلى ثلث إيرادات الموازنة الحكومية ومصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية.
وقال باحثون في «المعهد الدولي لدراسات النقل»، إن الطرق البرية والسكك الحديدية لا تستطيع تعويض الطاقة الاستيعابية للنقل البحري في تجارة السلع والمواد الخام، خصوصاً مع اتساع القيود على شبكات الشحن والنقل الإيرانية.
وقدّر صندوق النقد الدولي أن القيود على الصادرات والحرب ستدفع الاقتصاد الإيراني إلى الانكماش 5.4% في 2026، رغم تحسن مؤقت في صادرات النفط خلال مارس وأبريل.
يعد قطاع السيارات من أكبر الصناعات غير النفطية في إيران ويوفر شبكة واسعة من الوظائف المباشرة وغير المباشرة، بينما يعتمد جزء من إنتاجه على مكونات ومدخلات مستوردة.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن قطاع السيارات يمثل أحد آخر المصادر الصناعية المهمة للإيرادات داخل إيران، بينما ترتبط بعض شركاته بشبكات تمويل وتوريد يستخدمها الحرس الثوري والجهات الخاضعة للعقوبات.
وحذر المدير الإداري في شركة «أوبسيديان» لاستشارات المخاطر بريت إركسون، من أن توسيع العقوبات إلى شرايين النقل والصناعة قد يفرض تكاليف مرتفعة على المواطنين الذين تعتمد وظائفهم ودخولهم على تلك القطاعات.
قال بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس»، إن أسواق النفط ما زالت تحمل علاوة مخاطر مرتبطة بالحرب واحتمالات تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، رغم تعافي جزء كبير من صادرات الخليج.
وأضاف أن انخفاض المخزونات العالمية واستمرار مخاطر تعطيل الممرات البحرية يمنعان أسعار النفط من العودة سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب.
ورفع «غولدمان ساكس» وبنوك أخرى توقعاتها للنفط مع استمرار مخاطر الإمدادات، بينما تظل صادرات إيران نفسها مقيدة بالحصار والعقوبات الأميركية.
وسّعت وزارة الخزانة في اليوم نفسه حملة «المنبوذ الاقتصادي» إلى شبكة (A7) المالية المرتبطة بروسيا، متهمة إياها بمساعدة إيران على نقل الأموال والالتفاف على القيود المصرفية.
وقالت إن الإجراءات تستهدف تفكيك البنية المالية التي تسمح لطهران بتحويل الأموال خارج النظام المالي التقليدي، بعد ضغوط سابقة على البنوك وشركات الطيران والتجارة الخارجية.
وأظهرت بيانات التجارة الإيرانية تراجع التجارة الخارجية بنحو 35% خلال الحرب، بينما تجاوز التضخم 60% قبل أحدث موجة من العقوبات.
قال إركسون إن تشديد الخناق على إيران في البحر والجو ثم البر يوسع قدرة واشنطن على عزل الاقتصاد، لكنه حذر من أن القيود الشاملة ستصيب أيضاً الوظائف والدخول وسلاسل الإمداد المدنية.
وأشار «إم يو إف جي» إلى أن استمرار انكماش الاقتصاد والتضخم المرتفع وتراجع صادرات النفط يهدد بمزيد من تآكل القوة الشرائية، في وقت تظل فيه إعادة فتح هرمز وقنوات التصدير العاملين الأكثر أهمية لمسار التعافي.
ويتوقع صندوق النقد انكماش الاقتصاد الإيراني 5.4% هذا العام، على أن يكون أي تعافٍ لاحق مرتبطاً بانتهاء الحرب وعودة قنوات التجارة والطاقة إلى العمل بصورة أكثر طبيعية.