
كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز،» أن سندات لشركة «تيليغرام» في روسيا بقيمة 500 مليون دولار جرى تجميدها بموجب العقوبات الغربية، ما يسلّط الضوء على الانكشاف المالي لتطبيق المراسلة على روسيا، رغم محاولات مؤسسه بافل دوروف قطع العلاقات مع موسكو.
وأطلقت الشركة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من إصدارات السندات، من بينها إصدار بقيمة 1.7 مليار دولار في مايو الماضي، بهدف إعادة شراء ديون قائمة. ووفقاً لأشخاص مطلعين على مناقشات تيليغرام مع المستثمرين، أعادت الشركة شراء معظم السندات التي تستحق في عام 2026.
غير أن الشركة أوضحت، بحسب المصادر، أن سندات قائمة بقيمة 500 مليون دولار جرى تجميدها داخل «مستودع الأوراق المالية المركزي» في روسيا، نتيجة العقوبات الغربية. وتبرز هذه التطورات حجم استمرار تعرض تيليغرام لرأس المال الروسي، في وقت تعقّد فيه العقوبات عمليات سداد الديون وإعادة الشراء.
وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد فرضوا تجميداً للأصول وقيوداً أخرى على «المستودع الوطني للتسوية» الروسي عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وهي خطوة قد تؤثر في أي مؤسسة غربية لديها حاملو سندات في روسيا.
ويُعد هذا التجميد محرجاً بشكل خاص لدوروف، الذي سعى في السنوات الأخيرة إلى النأي بنفسه عن بلده الأصلي، واصفاً التكهنات حول خضوعه للكرملين بأنها «نظريات مؤامرة». وامتنعت تيليغرام عن التعليق.
وتأتي هذه التطورات في وقت يستكشف فيه دوروف إمكانية طرح أولي عام لأسهم الشركة، إلا أن هذه الخطط تأجلت في ظل مواجهته إجراءات قانونية في فرنسا. وكان دوروف، المولود في روسيا، قد لُقّب سابقاً بـ«مارك زوكربيرغ روسيا» بعد مشاركته في تأسيس شبكة «فكونتاكتي» الاجتماعية عام 2007.
ويقول الملياردير إنه غادر روسيا عام 2014 بعد رفضه مشاركة بيانات بعض المستخدمين الأوكرانيين مع جهاز الأمن الروسي، واضطر حينها إلى بيع حصته في «فكونتاكتي» لجهات مرتبطة بالكرملين. وفي الفترة ذاتها أسس «تيليغرام»، قبل أن ينقل مقر المجموعة لاحقاً إلى دبي، مؤكداً التزامه بحرية التعبير ومقاومة التدخل الحكومي.
وأبلغت تيليغرام حاملي السندات بأنها ستسدد الديون المجمدة عند استحقاقها، على أن يقرر وكيل الدفع والجهة الحافظة ما إذا كان يمكن تحويل المدفوعات إلى الحائزين الروس. وعلى عكس شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى مثل «ميتا» و«إكس»، يعمل في تيليغرام أقل من 100 موظف بدوام كامل، ولم تبدأ الشركة إلا مؤخراً في تحقيق إيرادات كبيرة من قاعدتها التي تضم مليار مستخدم عبر الإعلانات والاشتراكات.
ووفقاً لإفصاحات نصف سنوية غير معلنة سابقاً اطلعت عليها «فاينانشال تايمز»، بلغت السيولة النقدية وما يعادلها لدى تيليغرام 910 ملايين دولار في 30 يونيو، مقارنة بـ142 مليون دولار قبل عام. كما وُضع دوروف، الحاصل على الجنسيتين الفرنسية والإماراتية، تحت تحقيق رسمي في باريس عام 2024 بشأن مزاعم تقصير التطبيق في مواجهة أنشطة إجرامية، من بينها محتوى يتعلق بإساءة معاملة الأطفال، وهو ما نفاه دوروف.
ويراقب حاملو سندات تيليغرام القضية الفرنسية من كثب خشية أن تعرقل خطط الطرح العام التي وُضعت قبل بدء الإجراءات القانونية. وتمنح إصدارات السندات الأخيرة المستثمرين خيار شراء أسهم في أي طرح مستقبلي بخصم قد يصل إلى 20%.
وأفادت الشركة بعض حاملي السندات في اتصال حديث بأن القضية تحتاج إلى مزيد من الوضوح قبل المضي قدماً في الإدراج، مع تأكيدها الاستمرار في التعاون مع السلطات والدفاع بقوة عن موقف دوروف.
وتُظهر البيانات المالية غير المدققة، التي اطلعت عليها صحيفة «فاينانشال تايمز»، أن تيليغرام تواصل تحقيق نمو في المبيعات رغم التهديدات التي تواجه قيادتها. فقد قفزت إيرادات النصف الأول من عام 2025 بأكثر من 65% لتصل إلى 870 مليون دولار، مقارنة بـ525 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق.
وجاء نحو ثلث الإيرادات، أي ما يعادل 300 مليون دولار، من ما يُعرف باتفاقيات «الحصرية»، والتي ارتبطت في تقارير سابقة بعملة «تون كوين» المشفرة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتيليغرام. وارتفعت إيرادات الإعلانات بنسبة 5% لتصل إلى 125 مليون دولار في النصف الأول من العام، في حين قفزت اشتراكات «بريميوم» بنسبة 88% إلى 223 مليون دولار مع زيادة عدد المستخدمين الدافعين.
وأبلغت الشركة المستثمرين بأنها تسير على المسار الصحيح لتحقيق أهدافها المالية للعام بأكمله، مستهدفة إيرادات قدرها مليارا دولار في 2025. ورغم تحقيق ربح تشغيلي يقارب 400 مليون دولار، سجلت الشركة خسائر صافية بلغت 222 مليون دولار في النصف الأول، مقارنة بصافي ربح قدره 334 مليون دولار في الفترة نفسها من 2024، نتيجة خفض قيمة حيازاتها من «تون كوين» مع تراجع أسعار العملات المشفرة خلال 2025.
وقد طُوّرت «تون كوين» في الأصل داخل تيليغرام، قبل أن تنتقل إلى مجتمع مفتوح المصدر بعد مشكلات تنظيمية مع هيئة الأوراق المالية الأميركية في 2020. ومنذ ذلك الحين، واصل دوروف الترويج للعملة ودمج خصائصها داخل التطبيق، مع اشتراط دفع الإعلانات باستخدامها. وبلغت القيمة الإجمالية للأصول الرقمية للشركة 787 مليون دولار بنهاية يونيو، مقارنة بـ1.3 مليار دولار قبل عام.
ومع ذلك، أكدت تيليغرام للمستثمرين أن دوروف يعطي أولوية لتعزيز منظومة «تون» ودمجها بشكل أعمق في منصة تيليغرام خلال عام 2026، مشيرة إلى أنها باعت أكثر من 450 مليون دولار من «تون كوين» منذ بداية العام، في وقت أُدرجت فيه العملة أخيراً في منصات تداول كبرى مثل «كوين بايس» و«كراكن» و«جيميني».