logo
اقتصاد

القهوة في الشرق الأوسط.. من عادة اجتماعية لاقتصاد بـ17 مليار دولار

توقعات بارتفاع سوق القهوة في المنطقة إلى 25 مليار دولار بحلول 2031

القهوة في الشرق الأوسط.. من عادة اجتماعية لاقتصاد بـ17 مليار دولار
أشخاص يزورون معرض القهوة والشوكولاتة الدولي، في مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض بالعاصمة الرياض يوم 4 ديسمبر 2017المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يتعامل المستثمرون وشركات الضيافة اليوم مع القهوة في الشرق الأوسط بوصفها قطاعاً اقتصادياً متسارعاً، لا امتداداً رمزياً لعادات اجتماعية. فالنمو الذي شهدته المقاهي والقهوة المختصة خلال أقل من عقد أعاد رسم خريطة الطلب داخل المدن، ورفع حجم الاستثمارات في التجربة والمساحات والخدمة، ووسّع أثر القطاع ليطال الابتكار وسلاسل التوريد المرتبطة به.

على مستوى السوق، تُقدّر قيمة سوق القهوة في الشرق الأوسط وإفريقيا بنحو 17 مليار دولار في 2026، مع توقعات بارتفاعها إلى قرابة 25 مليار دولار بحلول 2031 بمعدل نمو سنوي يقارب 8%، وفق تقديرات «موردور إنتليجنس» (Mordor Intelligence).

 وتُظهر البيانات أن الاستهلاك للفرد في المنطقة يتحرك صعوداً بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، مدفوعاً بتوسع المدن وارتفاع الدخل وتغير أنماط العمل، وهي عوامل تصنع قاعدة طلب أكثر اتساعاً واستدامة من موجات الصيحات المؤقتة.

أخبار ذات صلة

خالد الحمادي، النائب التنفيذي للرئيس في دي إكس بي لايف، خلال لقاء مع إرم بزنس على هامش معرض عالم القهوة في دبي بنسخته الخامسة بتاريخ 19 يناير 2026

كيف أعادت دبي صياغة مفهوم معارض القهوة العالمية؟

السعودية والإمارات محركا الطلب والتأثير

يستند صعود القهوة في المنطقة إلى نموذج اقتصادي ثنائي: السعودية تمنح القطاع الكتلة عبر حجم الطلب واتساع السوق، بينما توفر الإمارات منصة لتحويل الابتكار المحلي إلى اتجاهات تنتشر عالمياً.

في السعودية، أصبحت المقاهي جزءاً رئيسياً من اقتصاد الخدمات الاستهلاكية. فقد ارتفع حجم سوق المقاهي إلى نحو 17 مليار ريال (4.54 مليار دولار) بعد أن كان أقل من 8 مليارات ريال قبل سنوات قليلة، بحسب شركة «ريدسير» (Redseer) للاستشارات. وتوسع قطاع خدمات الطعام من 63 مليار ريال إلى 111 مليار ريال بين 2019 و2024، مع ارتفاع حصة المقاهي إلى 16% من السوق بعد أن كانت 12%.

ولا تعني هذه النقلة زيادة عدد الأكواب المبيعة فقط، بل اتساع الاستهلاك خارج المنزل، ليصبح المقهى جزءاً من الروتين الحضري اليومي الذي يتقاطع مع العمل والدراسة والتواصل الاجتماعي.

انعكس التوسع كذلك في قاعدة العرض، إذ من المتوقع أن يتجاوز عدد المقاهي في المملكة 5,300 مقهى بحلول 2027. كما بلغ حجم سوق القهوة المختصة نحو 2.9 مليار دولار في 2024، مع توقعات باقترابه من 7 مليارات دولار خلال العقد المقبل، وفق «ديب ماركت إنسايتس» (Deep Market Insights). وعلى جانب الاستهلاك في السعودية، تتوقع بيانات «ريبورت لينكر» (ReportLinker) أن يصل الاستهلاك إلى 63 ألف طن بحلول 2028، في مؤشر على تحول القهوة إلى سلوك يومي واسع داخل المدن.

في المقابل، تعمل الإمارات كمركز تحويل محلي إلى عالمي، فقد صنّفت منصة أبحاث قطاع القهوة «وورلد كوفي بورتال» (World Coffee Portal) دبي ضمن أبرز مدن القهوة المختصة عالمياً، بينما تشير بيانات «يورومونيتور» (Euromonitor) إلى أن الإمارات من أسرع أسواق القهوة المختصة نمواً في العالم.

وتبرز قوة دبي في قدرتها على جعل قطاع المأكولات والمشروبات منصة اختبار واسعة النطاق، حيث تتحول الأفكار بسرعة من مقهى محلي إلى منتج متداول عالمياً، كما حدث مع موجات النكهات المرتبطة بالفستق و«شوكولاتة دبي» وغيرها. وبهذا المعنى، تغذي السعودية القطاع بالحجم والاستمرارية، فيما تغذيه الإمارات بالابتكار والانتشار، لتتشكل منظومة إقليمية قادرة على إنتاج النمو وتعميمه.

فنجانك اليومي يزداد كلفة.. القهوة تحلّق لمستويات تاريخية
فنجانك اليومي يزداد كلفة.. القهوة تحلّق لمستويات تاريخية المصدر: إرم بزنس

المقهى.. «تجربة يومية»

بعد تثبيت قاعدة السوق وتفعيل محرك الابتكار، يظهر التحول الأعمق في نموذج الأعمال. فالمقهى لم يعد مجرد نقطة شراء، بل أصبح مساحة إقامة وتجربة يومية، ما يغيّر معادلات الإيرادات جذرياً، ولم يعد العامل الحاسم عدد المعاملات فقط، بل مدة بقاء العميل وتكرار الطلب داخل الزيارة الواحدة وعودة العميل مرات أكثر خلال الأسبوع.

وتقدّر «كين ريسيرش» (Ken Research) أن متوسط إيرادات المقهى المختص يقترب من 300 ألف دولار سنوياً، مع افتتاح أكثر من 1,200 مقهى مختص في الشرق الأوسط خلال سنوات قليلة. هذه الأرقام تربط القهوة بمنظومة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إذ إن توسع الفروع يعني فرص تشغيل، وسلاسل توريد جديدة، وطلباً متزايداً على المهارات، من التحميص إلى إدارة التجربة والخدمة.

ومع اشتداد المنافسة، أصبح الاستثمار في التصميم وتجربة الضيافة ضرورة اقتصادية لا ترفاً جمالياً. فالتجهيز الداخلي وتعدد مناطق الجلوس وتكامل المقهى مع العمل والدراسة ترفع كلفة التأسيس، لكنها تعزز كذلك قابلية التسعير وتفتح المجال أمام بيع منتجات جانبية من حلويات ووجبات خفيفة وأدوات قهوة. وبذلك يتحول المقهى تدريجياً إلى منصة ضيافة متعددة مصادر الإيراد، لا مجرد مساحة لبيع مشروب.

التأثير العالمي وأنماط الاستهلاك

مع ترسخ هذا النموذج داخل مدن الخليج، بدأ أثره يتجاوز المنتج نفسه إلى العادات الاستهلاكية. فالانتشار العالمي لا يرتبط فقط بوصفة رائجة، بل بتحول نظرة المستهلك إلى القهوة كمساحة اجتماعية ممتدة زمنياً تشمل المساء والليل.

وتتوقع شركة «تكنافيو» (Technavio) أن يضيف قطاع المقاهي المختصة عالمياً نحو 50 مليار دولار من النمو الإضافي حتى عام 2029، مدفوعاً بصعود نموذج المقهى متعدد الوظائف الذي يجمع العمل واللقاءات الاجتماعية والترفيه. وقد برز هذا النموذج مبكراً في مدن الخليج قبل أن تتوسع ملامحه في أسواق أخرى.

اقتصادياً، يوسّع هذا النموذج ساعات تحقيق الإيرادات ويرفع كثافة استخدام الأصول الثابتة مثل الموقع والتجهيزات، ما يعزّز كفاءة العائد على الاستثمار رغم ارتفاع تكاليف التشغيل المرتبطة بساعات العمل الممتدة.

من القوائم إلى سلاسل التوريد

تظهر المرحلة التالية من التأثير عندما تتحول النكهات الرائجة في قوائم المقاهي إلى طلب تجاري متكرر على مكونات بعينها. فانتشار النكهات ذات الجذور الشرق أوسطية في مشروبات القهوة المختصة لا يتسبب بضجة إعلامية فحسب، بل يعيد تشكيل جانب من سلاسل التوريد المرتبطة بالمقاهي عالمياً.

وتوضح تحليلات «فود نافيغيتور» (FoodNavigator) إلى ارتفاع الطلب العالمي على مكونات مثل الفستق والتمر والهيل والتوابل مع توسع استخدامها في وصفات القهوة المختصة. ومع انتقال هذه المكونات من إضافة موسمية إلى عنصر ثابت في القوائم، يصبح معيار الجودة والتوريد أكثر حساسية.

هنا ينتقل القطاع من ظاهرة استهلاكية إلى عنصر فاعل في سلسلة القيمة التي تربط الضيافة بالزراعة والتجارة، فزيادة الطلب تعني فرصاً للموردين والمصدرين، وتوسعاً في شبكات التوريد والتعبئة واللوجستيات، وربما التصنيع الغذائي للمكونات المعيارية المستخدمة في المقاهي.

أخبار ذات صلة

 خالد الملا، رئيس مجلس إدارة جمعية القهوة المختصة في الإمارات، في لقاء مع إرم بزنس على هامش معرض عالم القهوة بنسخته الخامسة في دبي بتاريخ 19 يناير 2026

الإمارات تستحوذ على 50% من حجم تجارة القهوة في المنطقة

الدلالات الاقتصادية للسنوات المقبلة

عند جمع هذه المؤشرات، يتضح أن القهوة في الشرق الأوسط تتحرك كقطاع اقتصادي ناضج لا كموجة مؤقتة. فالاختبار المقبل يتمثل في قدرة السوق على الحفاظ على الهوامش الربحية وسط توسع العرض، وبناء سلاسل توريد قادرة على تلبية الطلب النوعي، وإدارة تكاليف التشغيل في نموذج الساعات الممتدة.

ومع استمرار تحول المقاهي إلى جزء من البنية الاجتماعية والاقتصادية للمدن، تبدو المنطقة في موقع مؤثر داخل صناعة القهوة العالمية، ليس فقط كمستهلك، بل كمولّد نمو ومصدّر لنماذج تشغيل واتجاهات طلب.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف