ترامب قد يشعل التضخم ويهوي بالدولار أمام المنافسين
يقتدي بطريقة أردوغان في التدخل بالسياسة النقدية

رغم تباعد المسافات واختلاف التوجهات السياسية، يتشابه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في جانب مهم.
أوجه الشبه بينهما ليست سياسية أو أيديولوجية، بل تكمن في شغفهما بالتدخل في السياسة النقدية للبلاد وتطويعها لتحقيق رؤى اقتصادية كبرى تحمل بصمتيهما، فكلاهما سعى إلى فرض نموذج اقتصادي يخلّد ذكراه، حتى وإن كان الثمن مواجهة المؤسسات النقدية أو التضحية باستقلال البنوك المركزية.
كلا الرجلين يبتغي تنفيذ حلم اقتصادي ونموذج يخلد ذكراه بين الرؤساء، ترامب الذي أطلق شعاراً صار نهجاً اقتصادياً كاد أن يشعل حرباً عالمية من الحمائية التجارية أسماه (أميركا أولاً)، كان قد سبقه بأكثر من 4 سنوات محاولة أسس لها وأعلنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أطلق عليها حينذاك بالنموذج التركي، وتركيا القرن.
لكن كي يتسنى تحقيق الحلم والوصول إلى الهدف كان لزاماً على الرئيسين للمضي قدماً في تلك المغامرة، طي أركان الاقتصاد وتغير توجهات البلاد عبر تطويع السياسة النقدية، بل ولي ذراعها حتى وإن كان الثمن الإطاحة برؤساء البنوك المركزية الذي يقفون عبر سياستهم في وجه تلك الأحلام.
بيد أن الرئيس التركي عقب 3 سنوات من العناد الاقتصادي، وانتهاج سياسة نقدية غير تقليدية كما وصفتها بنوك عالمية ومؤسسات دولية حينذاك، أحرقت الاحتياطي النقدي للبلاد ليصل إلى أدنى مستوى على الإطلاق واشعلت التضخم وهوت بالليرة التركية إلى قيعان تاريخية غير مسبوقة، استسلم في يونيو 2023 بعد فشل التجربة.
في المقابل، أطلقت العديد من المؤسسات الدولية والبنوك العالمية تحذيرات عديدة بشأن خطورة التدخل في السياسة النقدي لأكبر مؤسسة نقدية في العالم، وأكدت أن فقدان الفيدرالي الأميركي لاستقلاليته قد يقود إلى هزة في الاقتصاد العالمي وتدعات حادة في أسواق المال، جنباً إلى جنب إعادة تقييم الأصول الأميركية بالخفض.
السؤال هنا..
هل يصم ترامب أذنيه عن التحذيرات ويمضي على خطى أردوغان، أم ينتظر حتى تنتهي ولاية جيروم باول في مايو من العام المقبل، حتى يتسنى له عقب ذلك تعين رئيس موالٍ يقبع على رأس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي؟
◄ أطاح بثلاثة رؤساء بنوك مركزية في أقل من عام.
◄ خفض أسعار الفائدة من 19% إلى 8.5% في عام.
◄ قاد تراجع الليرة التركية بنسبة 80% منذ سبتمبر 2021، ليرتفع الدولار أمام الليرة من مستويات 8.5 ليرة للدولار إلى المستويات الحالية قرب 41 دولاراً.
◄ أشعل التضخم ليقفز إلى أعلى مستوى في 25 عامًا.
◄ أقال عضو الفيدرالي ليزا كوك وسعى إلى إقالة رئيس مجلس الاحتياطي جيروم باول.
◄ يريد خفض أسعار الفائدة من المستويات الحالية بأكثر من 3% إلى مستويات قرب 1%.
◄ قاد تراجع الدولار الأميركي أكثر من 10% منذ بداية العام، وما يقرب من 12% منذ إطلاق سياسة التعريفات، وذلك نزولاً من مستويات فوق 110 نقاط والتي كانت الأعلى في عامين.
◄ أطلق سياسة التعريفات الجمركية التي دفعت التضخم إلى صعود محدود حتى الآن.
في ديسمبر 2021، وبعد خفض الفائدة قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنه ينبغي للأتراك أن يصبروا وأن يثقوا في النموذج الاقتصادي الجديد للحكومة، الذي بموجبه يولي أولوية لنمو اقتصادي تقوده أسعار فائدة منخفضة.
في 2025، الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطلق شعار أميركا أولاً، ولا بد أن تعود أميركا عظيمة، والذي تزامن مع إطلاق سياسة التعريفات الجمركية والدعوة عشرات المرات إلى خفض أسعار الفائدة من جانب الفيدرالي الأميركي.
فشل ترامب في الإطاحة برئيس الفيدرالي العنيد الذي ثبت على موقفه، وأبقى سياسته النقدية كما هي دون تغير، إذ أحجم الفيدرالي حتى الآن ومنذ بداية العام عن أي تخفيضات لأسعار الفائدة.
لم يتسنَّ للرئيس الأميركي السيطرة حتى الآن على البنك الفيدرالي، إلا أنه يتبع سياسة الضغط المستمر، تزامناً وخلخلة تماسك لجنة السياسات التي تؤيد رئيسها جيروم باول.
نجح ترامب حتى الآن في تعيين عضويين فقط (كريستوفر والر وميشيل بومان) من إجمالي 12 عشر صوتاً يتخذون قرار الفائدة، بينما ساعدته استقالة مفاجئة لعضو البنك أدريان كوغلر، على ترشيح مستشاره الاقتصادي ستيفن ميران بديلاً لها.
أقال ترامب عضو الفيدرالي ليزا كوك، وهي الإقالة التي لم يحسم مدى نفاذها من عدمه حتى الآن، نظراً لوجود دعوى قضائية رفعتها ليزا كوك اعتراضاً على الإقالة نظراً لاستقلالية البنك.
إن تمكن ترامب من إقالة ليزا كوك نهائياً، سيحصل على 4 أصوات في المجلس، إلا أن عليه الانتظار حتى مايو من العام المقبل حتى يتمكن من تعيين رئيس جديد للبنك، بعد انتهاء ولاية باول الثانية.
تسببت رغبة أردوغان في تحقيق حلمه الاقتصادي، في أن يقيل 3 محافظين للبنك المركزي التركي خلال العامين ونصف العام التي سبقت تولي شهاب قافجي أوغلو لمنصبه في 2021.
الإقالة الأولى كانت مع مراد تشتين قايا الذي تمت إقالته من منصبه بعدما رفع سعر الفائدة الأساسي بما مجموعه 750 نقطة، بهدف دعم سعر صرف الليرة.
الثاني كان المحافظ مراد أويصال الذي تولى مهام رئيس البنك المركزي في يوليو 2019، قبل إقالته في نوفمبر 2020.
الثالث كان ناجي إقبال، الذي تمت إقالته بعد 5 أشهر من تولي المنصب، بسبب رفع سعر الفائدة فوق التوقعات بمقدار 200 نقطة أساس، من 17% إلى 19%، مع تأكيد إجراء تشديد نقدي قوي.
عين أردوغان شهاب قافجي أوغلو الذي وافق على خفض الفائدة، إذ خفض البنك المركزي سعر الفائدة إلى 8.5% من 19% في عام 2021 لتعزيز النمو والاستثمار.
بعد هذه الإقالات، تراجعت أسعار الفائدة بضغط من أردوغان، الذي يصف نفسه بأنه عدو أسعار الفائدة، لكن ذلك أثار أزمة قياسية لليرة في ديسمبر 2021، ودفع التضخم إلى أعلى مستوى في 24 عاماً ليتجاوز 85%.
في غضون ذلك، تدخلت السلطات بشكل مباشر في أسواق العملات الأجنبية، إذ لجأت إلى ضخ عشرات المليارات من الدولارات من الاحتياطيات للحفاظ على استقرار الليرة معظم هذا العام.
بعد نحو عامين من تعيين شهاب قافجي أوغلو تراجعت فيهم أسعار الفائدة 1050 نقطة أساس، أعلن أردوغان استسلامه للمضي قدماً نحو الانصياع في السياسة النقدية التقليدية.
جاء إعلان الاستلام عبر تعيين أول سيدة تركية محافظاً للبنك المركزي، بعد اختيار حفيظة غاية أركان في يونيو 2023 والتي رفعت الفائدة من 8.5% إلى 45%.
بعد أقل من عام أعلنت محافظة البنك المركزي التركي حفيظة غاية إركان استقالتها من المنصب الذي تولّته، ليتولى فاتح كاراهان بديلاً لها والذي رفع الفائدة بدوره 5% إلى 50%.