logo
اقتصاد

بوتين في نيودلهي رغم الغضب الأميركي.. شراكة تتحدى العقوبات

بوتين في نيودلهي رغم الغضب الأميركي.. شراكة تتحدى العقوبات
وصول الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين إلى مطار نيودلهي، يوم 4 ديسمبر 2025.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، وتلامس خطوطاً دقيقة في الاقتصاد والسياسة الإقليمية والدولية.

فالهند، التي أصبحت لاعباً محورياً في أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات الثلاث الماضية، تجد نفسها، الآن، في قلب معادلة جيوسياسية معقّدة تضم روسيا والولايات المتحدة، بينما تحاول الحفاظ على توازن يسمح لها بتأمين احتياجاتها النفطية الضخمة دون خسارة علاقاتها مع أي من القوتين.

ويشير تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أنّ الكرملين ينظر إلى علاقته مع نيودلهي باعتبارها أحد آخر المسارات الاقتصادية الحيوية المتاحة أمام موسكو، خاصة بعد أن دفعتها العقوبات الغربية إلى الاعتماد بشكل أكبر على شركاء قادرين على تحمل تكلفة التعامل مع الاقتصاد الروسي.

وفي المقابل، يُدرك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن الحفاظ على الشراكة التاريخية مع موسكو لا يمكن أن يكون بمعزل عن استياء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تراقب التجارة الروسية-الهندية عن كثب، وتعتبرها عاملاً يعزز قدرة روسيا على الصمود اقتصادياً.

أخبار ذات صلة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر اجتماع المجلس الاقتصادي الأوراسي الأعلى في منتجع إيغورا في منطقة لينينغراد، روسيا، يوم 26 ديسمبر 2024.

بوتين يسعى إلى تعزيز صادرات الطاقة والدفاع خلال زيارته إلى الهند

الطاقة.. مركز الاشتباك الاقتصادي

تستهلك الهند أحد أعلى معدلات الطاقة في العالم، وتعتمد بنسبة تفوق 85% على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من النفط.

ومع تصاعد العقوبات على موسكو منذ 2022، اندفعت روسيا لبيع نفطها بخصومات كبيرة، ما فتح نافذة إستراتيجية للهند لتقليص كلفة وارداتها، ونتيجة لذلك ارتفعت حصة روسيا من سوق النفط الهندي من 2% قبل الحرب إلى نحو 33% هذا العام.

وأثار هذا التحوّل  غضب واشنطن التي رأت في الهند "مخرجاً مالياً" يساعد روسيا على تأمين مواردها النفطية.

ورداً على ذلك، فرضت الإدارة الأميركية تعرفة جمركية بنسبة 50% على الصادرات الهندية إلى السوق الأميركية، وهو ما شكّل ضغطاً مباشراً على قطاع الصناعة الهندي، وصدّر توتراً اقتصادياً إضافياً إلى العلاقات الثنائية.

ومع تشديد الولايات المتحدة رقابتها على التعاملات المرتبطة بكبرى شركات  النفط الروسية  (Rosneft) و(Lukoil) ، اضطُرت شركات التكرير في الهند إلى إعادة تقييم علاقاتها التجارية.

كما أعلنت شركة (Reliance Industries) أكبر مصفاة هندية، وقف استيراد الخام الروسي لمجمعها الموجَّه للتصدير لتجنب أي مخاطر قانونية.

وتؤكد بيانات الشركة الدولية المتخصصة في تحليلات أسواق الطاقة والسلع،  (Kpler) أن واردات الهند من النفط الروسي ستتراجع إلى قرابة مليون برميل يومياً، مقارنة بـ1.8 مليون برميل يومياً في نوفمبر.

ويرى محللون أن الهند لن تعود لمستويات ما قبل الحرب، وستواصل شراء النفط الروسي عبر قنوات لا تطالها العقوبات الأميركية مباشرة، حفاظاً على توازن كلفة الطاقة.

سوق السلاح.. اقتصاد وسياسة في آن واحد

يمثل التعاون الدفاعي بين روسيا والهند قطاعاً اقتصادياً بالغ الأهمية لموسكو، التي تُعد المورد التقليدي الرئيس لتسليح الجيش الهندي.

لكن الهند لم توقّع، منذ سنوات، أي عقود تسليح ضخمة جديدة، بسبب قانون أميركي يسمح بفرض عقوبات على الدول التي تشتري أنظمة دفاعية كبرى من موسكو.

ورغم تسريبات روسية عن استعداد الكرملين لطرح مقاتلات وأنظمة دفاع جوي متطورة، قلّلت نيودلهي من إمكانية إبرام صفقات كبيرة خلال زيارة بوتين.

وتعتبر الهند أن عرض السلاح الروسي ورقة تفاوض مهمة يمكن توجيهها إلى واشنطن للحصول على تقنيات أميركية أكثر تقدماً، لا سيما أن علاقات الدفاع بين الهند والولايات المتحدة توسعت بشكل ملحوظ ضمن شراكة (كواد).

كما لا تزال صفقة (S-400) ، التي حصلت نيودلهي بموجبها على استثناء أميركي نادر من العقوبات، مثالاً على قدرة الهند على موازنة علاقاتها الدفاعية دون الانحياز الكامل لأي محور.

روسيا تبحث عن بديل للصين

تحاول موسكو تعزيز وارداتها من السلع الهندية، وتوسيع قاعدة منتجاتها المستوردة، في إطار خطة تهدف للحد من سيطرة السلع الصينية على السوق الروسية.

وتعمل روسيا على تشجيع الاستيراد من الهند ضمن قطاعات صناعية وتكنولوجية محددة، بهدف خلق منافسة أكبر داخل السوق الروسية.

بالنسبة للهند، تمثل روسيا سوقاً ضخمة لم تُستغل بعد، إذ لا تتجاوز صادراتها إليها مليارات قليلة سنوياً.

وفي ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، تجد نيودلهي في السوق الروسية فرصة لتخفيف الضغوط على قطاع صناعتها التصديرية.

أخبار ذات صلة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في نيودلهي عام 2021.

ترامب يراقب قدرة الهند على الموازنة بين الولايات المتحدة وروسيا

اقتصاد قبل الجغرافيا السياسية

تسعى الهند إلى الحفاظ على موقعها باعتبارها قوة متوازنة لا تنخرط بالكامل في أي محور دولي.

وفي الوقت نفسه تعتمد نيودلهي مقاربة براغماتية تُقدّم المصالح الاقتصادية،لا سيما  الطاقة والدفاع، على الاعتبارات الأيديولوجية.

ويرى محللون أن أي بوادر لتقدم في المحادثات الروسية-الأميركية حول أوكرانيا ستمنح الهند هامشاً أكبر للمناورة، بينما استمرار الحرب سيبقيها مضطرة للعب دور دقيق بين واشنطن وموسكو، دون خسارة أي منهما.

وأكد التقرير أنه في ظل المشهد العالمي المضطرب، تتحرك الهند بثبات لإعادة تعريف دورها كوسيط اقتصادي بين الشرق والغرب، مستفيدة من قدرتها على شراء الطاقة الرخيصة من روسيا، ومن علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز مكانتها كقوة آسيوية صاعدة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف