يشكل الشباب دون سن الثلاثين نحو 60% من السكان

تمرّ مصر بمرحلة تحول رقمي متسارع، مدفوع بتوسع الاستثمارات في التكنولوجيا والخدمات الرقمية، وتحسن تدريجي في المؤشرات الاقتصادية الكلية. ومع اقتراب نهاية عام 2025، تبرز البلاد كواحدة من أسرع أسواق التكنولوجيا نمواً في المنطقة، في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة والقطاع الخاص على تحويل هذا الزخم إلى قوة اقتصادية مستدامة.
تُعد التركيبة السكانية أحد أبرز العوامل المحركة لهذا التحول؛ إذ يشكل الشباب دون سن الثلاثين نحو 60% من السكان، ما يجعل مصر من أكبر الدول امتلاكاً لرأس مال بشري شاب في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ويشير «البنك الدولي» إلى أن «رأس المال البشري الشاب في مصر يمثل عنصراً حاسماً في قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يتجاوز 4% خلال العامين المقبلين».
يعتمد الاقتصاد التنافسي المستقبلي على كوادر ماهرة ومرنة قادرة على مواكبة احتياجات السوق، وهو ما تعمل مصر على تحقيقه عبر تطوير منظومة التعليم الفني والمهني من خلال برامج وطنية مثل «مهني 2030» و«التعليم الفني 2.0» و«التعليم 2.0». وقد ساهم التحاق ملايين الطلاب بهذه المسارات في توسيع قاعدة المهارات المطلوبة في القطاعات الصناعية واللوجستية والرقمية.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية الأخيرة أثر هذا التوجه؛ إذ تراجع معدل البطالة إلى 6.3% في الربع الأول من 2025، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من 15 عاماً، فيما سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 4.77% في الربع الثالث مدفوعاً بتحسن ملحوظ في قطاعات الصناعة والخدمات. كما تشير بيانات وزارة التخطيط إلى أن قطاعي التكنولوجيا والخدمات المعرفية أصبحا من أسرع القطاعات استيعاباً للعمالة الشابة خلال العامين الماضيين.
في موازاة ذلك، يلعب التعاون بين القطاعين العام والخاص دوراً محورياً في مواءمة التدريب مع احتياجات سوق العمل، إذ تساعد الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية في تحديث المناهج، ورفع مستوى التطبيق العملي، بينما توفر برامج الإرشاد والحاضنات فرصاً إضافية للشباب للدخول إلى الاقتصاد الرقمي.

يمتلك الاقتصاد المصري مجموعة من المقوّمات التي عززت مكانته كمركز إقليمي للخدمات الرقمية وخدمات التعهيد، إذ يجتمع الموقع الإستراتيجي لمصر مع تنوع الكفاءات اللغوية وتكاليف التشغيل التنافسية ليضع البلاد في صدارة الوجهات المفضلة للشركات العالمية.
وفي هذا السياق، احتلت مصر المرتبة الثالثة عالمياً في «مؤشر الثقة في خدمات التعهيد عبر الحدود» (Offshore BPO Confidence Index) لعام 2023، ما يعكس تصاعد ثقة المستثمرين بقدرات السوق المصرية على تقديم خدمات عالية الجودة وبكفاءة تكاليفية.
وتترجم هذه الثقة إلى مكاسب اقتصادية مباشرة؛ فخدمة العملاء العالميين عبر مناطق زمنية مختلفة تعزز نمو صادرات الخدمات الرقمية ذات القيمة العالية، والتي بلغت 6.2 مليار دولار في 2024، مع توقعات بتجاوز 7 مليارات دولار بنهاية 2025. كما تسهم هذه التدفقات في تنشيط قطاعات موازية مثل العقارات والتجزئة والخدمات المالية، مؤكدة الدور المتنامي للصادرات الرقمية في بنية الاقتصاد.
وتتزايد جاذبية مصر للشركات الدولية لعدة أسباب رئيسة، أبرزها انخفاض تكاليف التشغيل بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بأسواق شرق أوروبا وآسيا، بحسب تقديرات «المؤسسة الدولية للبيانات» (IDC)، إضافة إلى توافر قاعدة مهارية واسعة تضم أكثر من 700 ألف متخصص تقني بحسب وزارة الاتصالات.
كذلك شهدت البلاد توسعاً في مراكز البيانات والحوسبة السحابية باستثمارات تجاوزت 1.2 مليار دولار منذ 2022، ما عزز قدرتها على استيعاب عمليات رقمية واسعة. كما توسعت 42 شركة عالمية، في 2024، في مجالات الدعم الفني، والذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى قوة سوق الخدمات الرقمية.
برزت ريادة الأعمال كأداة رئيسة لتنويع الاقتصاد، إذ جمعت الشركات الناشئة المصرية نحو 329 مليون دولار عبر 78 صفقة خلال العام 2024، محافظةً على صدارتها في شمال أفريقيا. وتشير توقعات 2025 إلى إمكانية ارتفاع التمويل بنسبة تتراوح بين 15 و25% مع تحسن سعر الصرف، وتراجع معدلات التضخم.
وتتوقع «مؤسسات التمويل التنموي» (DFIs) أن تشهد قطاعات: الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والزراعة الذكية، أعلى معدلات نمو في الشركات الناشئة خلال الفترة من 2025 إلى 2027، مدفوعة بزيادة الطلب على الحلول الرقمية في السوقين المحلي والإقليمي.
ويرى الخبراء أن تحسين الوصول إلى التمويل، وتطوير الإطار التنظيمي، وتوسيع التعاون بين الشركات الكبرى والجامعات والمستثمرين خطوات جوهرية لتسريع نمو هذا القطاع.
تعكس التوقعات الدولية مساراً أكثر استقراراً للاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة، إذ يشير «البنك الدولي» إلى نمو بنسبة 3.5% خلال عام 2025، يرتفع إلى 4.2% في 2026، بينما رفع «صندوق النقد الدولي» توقعاته للنمو إلى 4.5% للسنة المالية المقبلة، مدعوماً بتراجع تدريجي للتضخم خلال النصف الثاني من العام الحالي.
ويستند هذا التحسن إلى مجموعة من العوامل، أبرزها: تحسن سعر الصرف، وتراجع الضغوط التمويلية، وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي، إلى جانب التوسع المستمر في مشاريع الطاقة المتجددة، وارتفاع الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية الرقمية.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يتفق قادة الاقتصاد والصناعة على أن نجاح مصر في تعزيز تحولها الرقمي يتطلب استمرار التنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية. فالإصلاحات المتسقة، والاستثمارات الموجّهة، وأطر الشراكات طويلة الأجل ستلعب دوراً حاسماً في تحويل القوة الديموغرافية التي تتمتع بها البلاد إلى قيمة اقتصادية مستدامة.