عودة الأموال الساخنة وزيادة تحويلات المصريين بالخارج تدعمان الجنيه
تباطؤ معدلات التضخم في القاهرة يمنح العملة المحلية دعماً إضافياً

استرد الجنيه المصري أكثر من 65% من الخسائر التي تكبدها أمام الدولار الأميركي خلال ذروة التوترات الجيوسياسية المرتبطة بحرب إيران، بعد تراجع قيمة العملة الخضراء من قمتها التاريخية البالغة 54.6 جنيه في 7 أبريل الماضي، إلى نحو 50.2 جنيه بنهاية تعاملات أمس الثلاثاء.
وقبل اشتعال الحرب الإيرانية كان الدولار يتداول في مصر بسعر أقل من 48 جنيهاً، ومع تصاعد الأحداث الجيوسياسية بحلول الأسبوع الخامس من الحرب قفز 6.6 جنيهاً (ما يعادل 13.7%)، مدفوعاً بخروج جزء من استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية «الأموال الساخنة».
وبدأ الجنيه المصري تعافيه أمام الدولار مع دخول الهدنة بين أميركا وإيران حيز التنفيذ في السابع من أبريل، ليقلص خسائره تدريجياً إلى 4.5% فقط، بالتزامن مع إعلان باكستان مساء الأحد التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.
رأى الخبير المصرفي محمد عبد العال، أن ما يشهده سوق الصرف المصري حالياً لا يرتبط بعامل واحد أو حدث منفرد، بل يعكس تلاقي مجموعة من التطورات الإيجابية التى بدأت تعمل فى اتجاه واحد، بدءاً من تحسن البيئة الخارجية، مروراً بانخفاض التضخم وتعزيز الثقة في الاقتصاد، وصولاً إلى تحسن التدفقات الأجنبية وتطورات قطاع الطاقة.
عبد العال قال لـ«إرم بزنس» إن التطورات الجيوسياسية الأخيرة والتوصل إلى اتفاق سلام يمثل أحد أبرز العوامل الداعمة للجنيه، خاصة مع تنامي مؤشرات التهدئة الإقليمية وتراجع المخاوف المتعلقة بأسواق الطاقة والملاحة الدولية، وهو ما انعكس إيجابياً على توقعات أسعار النفط وتكاليف الاستيراد والاحتياجات المستقبلية من النقد الأجنبي.
وأضاف عبد العال أن استمرار تباطؤ معدلات التضخم في مصر وزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج يعززان استقرار الاقتصاد الكلي ويمنحان العملة المحلية دعماً إضافياً، مؤكداً أن استقرار الأسعار يعد من أهم المقومات الأساسية لقوة أي عملة على المدى المتوسط والطويل.
واعتبر أن نجاح بلاده في سداد كامل مستحقات شركات البترول الأجنبية قبل أيام أعطى رسالة ثقة مهمة للأسواق الدولية، تتجاوز قيمتها المالية المباشرة، إذ تؤكد قدرة الاقتصاد المصري على الوفاء بالتزاماته الخارجية، كما تدعم جاذبية قطاع الطاقة أمام الاستثمارات الجديدة وتحسن الصورة الذهنية للاقتصاد المصري لدى المستثمرين ومؤسسات التمويل الدولية.
من جانبه، قال المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، محمود نجلة، إن التحسن الملحوظ الذي يشهده سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار خلال الأيام الأخيرة يعود بالأساس إلى عودة الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة إلى سوق أدوات الدين الحكومية، بعد موجة خروج مؤقتة شهدتها الأسواق بسبب التوترات الجيوسياسية الأخيرة بالمنطقة.
نجلة أوضح لـ«إرم بزنس» أن مرونة سعر الصرف في مصر ساهمت في امتصاص الصدمات الخارجية بشكل سريع، مشيراً إلى أن خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية مع بداية الحرب دفع الدولار إلى الارتفاع سابقاً ليتجاوز مستوى 54 جنيهاً، وأن عودة هذه التدفقات مجدداً تدعم تحسن الجنيه بالوتيرة نفسها تقريباً.
وأضاف أن انتهاء الأسباب التي دفعت بعض المستثمرين الأجانب إلى التخارج من السوق المصرية يعزز فرص عودتهم بقوة خلال الفترة المقبلة.
بدوره، اعتبر عبد العال أن عودة جزء من الاستثمارات الأجنبية إلى أدوات الدين الحكومية المصرية خلال الفترة الأخيرة يعكس تحسناً في تقييم المستثمرين لمستوى المخاطر المرتبطة بالسوق المصرية، خاصة مع وضوح مسار السياسة النقدية واستمرار تحقيق عوائد حقيقية جاذبة مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة.
أشار عبد العال إلى أن عودة سعر الجنيه المصري إلى مستويات ما قبل موجة الضغوط التي شهدتها السوق في نهاية فبراير الماضي تظل ممكنة من الناحية النظرية إذا استمرت العوامل الإيجابية الحالية، وعلى رأسها استقرار الأوضاع الجيوسياسية، وتراجع أسعار الطاقة، وتحسن موارد النقد الأجنبي واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية.
وقال عبد العال إن السيناريو الأكثر ترجيحاً في الوقت الراهن يتمثل في استمرار سوق الصرف داخل نطاقات مستقرة نسبياً، مع ميل تدريجي لصالح الجنيه المصري كلما تواصلت المؤشرات الإيجابية الحالية.
وأضاف أن النصف الثاني من العام مرشح لاستمرار حالة الاستقرار النسبي في سوق الصرف، مع بقاء اتجاهات الجنيه مرتبطة بمسار التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة وحركة رؤوس الأموال العالمية.
ورأى أن بعض المخاطر الخارجية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها قوة الدولار عالمياً واحتمالات تأجيل خفض أسعار الفائدة الأميركية، وهي عوامل قد تؤثر على حركة رؤوس الأموال الدولية وتدفقات السيولة نحو الأسواق الناشئة.
من جانبه توقع نجلة أن يستعيد الجنيه المصري مستويات ما قبل التصعيد العسكري في المنطقة، مرجحاً تراجع سعر الدولار إلى ما دون 49 جنيهاً خلال الفترة القريبة المقبلة.
وأشار نجلة إلى أن الاقتصاد المصري أثبت قدرته على التعامل مع الضغوط الخارجية، حيث تمت عمليات خروج المستثمرين الأجانب ودخولهم مجدداً بسلاسة ودون قيود، وهو ما عزز ثقة المستثمرين في السوق المحلية وقدرتها على توفير السيولة اللازمة للتعامل مع المتغيرات العالمية.
ولفت إلى أن استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، بجانب التقدم في المراجعات الدورية مع صندوق النقد الدولي وصرف الشرائح التمويلية المتفق عليها، يمثلان عاملين إضافيين يدعمان استقرار سوق الصرف ويعززان تدفقات النقد الأجنبي إلى البلاد.
وأكد نجلة أن عودة التدفقات الأجنبية قد تنعكس على سوق الصرف بوتيرة سريعة، كما حدث خلال فترة خروجها، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التحسن في أداء الجنيه مع انحسار المخاطر الجيوسياسية وعودة شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها السوق المصري.