
يتجه الأردن نحو تعزيز شراكاته الاقتصادية مع الهند في ظل تحولات كبرى تشهدها الأسواق العالمية، وسط حراك اقتصادي نشط يهدف إلى إعادة تموضع المملكة ضمن مسارات النمو العالمية وتنويع شركائها التجاريين والاستثماريين. وبعد سلسلة زيارات رسمية الشهر الماضي إلى عدد من دول شرق آسيا لفتح آفاق اقتصادية جديدة، تأتي زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى عمّان لتكون امتداداً عملياً لهذا التوجه، وتعكس انتقال السياسة الاقتصادية الأردنية من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة البناء على شراكات ذات جدوى اقتصادية واضحة.
تبرز الهند في هذا السياق بوصفها أحد أهم محركات النمو في آسيا والعالم، وسوقاً استهلاكية وإنتاجية هائلة يتجاوز تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة، فيما يضعها ناتجها المحلي الإجمالي ضمن أكبر خمسة اقتصادات عالمياً، مع توقعات بتقدمها إلى مراتب أعلى خلال العقد المقبل وفق تقديرات مؤسسات مالية دولية. هذا الثقل الاقتصادي يجعل من الهند شريكاً محورياً للاقتصاد الأردني، ليس فقط كسوق تقليدية للصادرات، بل كمنصة صناعية واستثمارية قادرة على نقل التكنولوجيا وتعزيز سلاسل القيمة المضافة، خصوصاً في قطاعات الأسمدة والأدوية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا المتوسطة والعالية القيمة.
وفي المقابل، يمثل الأردن للهند نقطة ارتكاز جغرافية واقتصادية مستقرة، تتيح النفاذ إلى أسواق إقليمية وأوروبية واسعة، مستفيداً من موقعه في قلب الممرات التجارية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومن شبكة اتفاقياته التجارية. ويبرز العامل الجيوسياسي واللوجستي بوصفه عنصراً حاسماً في تعميق هذه الشراكة، لا سيما في ظل تصاعد المخاطر التي تواجه التجارة البحرية العالمية نتيجة التغيرات المناخية والاضطرابات الأمنية والسياسية، كما حدث مؤخراً في البحر الأحمر الذي تمر عبره نحو 10 إلى 12% من التجارة العالمية وفق تقديرات مؤسسات التجارة الدولية.
من هنا تكتسب مبادرة الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا أهمية استراتيجية، باعتبارها بديلاً أكثر أماناً واستدامة لسلاسل الإمداد التقليدية، وتضع الأردن في موقع متقدم كمركز عبور وخدمات لوجستية على امتداد هذا الممر.
قال المحلل الاقتصادي فايق حجازين في حديث خاص لـ«إرم بزنس» إن زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى الأردن تأتي في توقيت بالغ الأهمية، وتبني على حراك اقتصادي أردني متصاعد يهدف إلى تطوير بنية الاقتصاد الوطني وتعزيز اندماجه في سلاسل التجارة العالمية. وأكد أن الأردن يشكل حلقة وصل طبيعية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وأن انخراطه في الممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي–الشرق أوسطي يعزز مكانته كبديل بري آمن للتجارة الدولية في ظل التحديات التي تواجه النقل البحري.
وأضاف حجازين أن أهمية الزيارة تكمن في تعظيم الاستفادة من اقتصاد هندي ضخم ومتسارع النمو، يقابله اقتصاد أردني يمتلك ميزات تنافسية واضحة في قطاعات الأسمدة والفوسفات وبيئة استثمارية محفزة وعلاقات تجارية متقدمة مع الأسواق الأوروبية. وبيّن أن القطاع الخاص الأردني ينظر باهتمام بالغ إلى هذه الزيارة، ويتطلع إلى تسهيلات إضافية تضمن استيراد مدخلات الإنتاج من السوق الهندية التي تزخر بالإمكانات الصناعية، إلى جانب زيادة الاستثمارات الهندية في الأردن، ولا سيما في صناعات الأسمدة عالية القيمة المضافة والجاهزة للاستخدام مثل الأسمدة السائلة، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام أو المدخلات الوسيطة، بما يسهم في تعظيم القيمة المضافة المحلية ونقل الخبرة الهندية المتقدمة، خصوصاً وأن الهند تعد من أكبر مستهلكي الأسمدة في العالم.
وفي المقابل، أشار إلى أن الجانب الهندي يتطلع إلى الاستفادة من الطريق التنموي والخدمات اللوجستية التي ستقام على امتداد الممر الاقتصادي، بما في ذلك المحطات داخل الأراضي الأردنية، إضافة إلى تسهيلات تسهم في زيادة تدفق السياح الهنود إلى المملكة، سواء عبر المجموعات أو الأفراد، بعد أن تأثرت حركة السياحة سابقاً نتيجة أحداث فردية ومخالفات محدودة.
تظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة ووزارة الصناعة والتجارة الأردنية، أن الميزان التجاري بين البلدين يميل بوضوح لصالح الأردن، إذ بلغت قيمة مستوردات الأردن من الهند خلال السنوات الخمس الماضية بين عامي 2020 و2024 نحو 5 مليارات دولار، فيما بلغت الصادرات الأردنية إلى الهند نحو 7.2 مليار دولار. ووفق البيانات الأولية لنهاية سبتمبر من عام 2025، وصلت الصادرات الأردنية إلى السوق الهندية إلى نحو 1.22 مليار دولار، مقابل مستوردات بقيمة 534 مليون دولار، مع تطلع الجانبين إلى رفع هذه الأرقام عبر توسيع قاعدة الصادرات وتعظيم استيراد مدخلات الإنتاج الهندية.
وفي قطاع التعدين والأسمدة، تؤكد بيانات شركة مناجم الفوسفات الأردنية أن السوق الهندية تمثل أحد أعمدة الصادرات الوطنية، إذ تبلغ قيمة صادرات منتجات الشركة إلى الهند نحو 2.3 مليار دولار سنوياً، مستحوذة على نحو 35% من صادرات الأسمدة الأردنية، فيما يذهب ما يقارب 55% من إجمالي الفوسفات المصدر إلى الخارج إلى السوق الهندية.
وتستند هذه الشراكة إلى تجربة صناعية راسخة تجسدت في الشركة الأردنية الهندية للأسمدة «جيفكو»، التي بدأ العمل على إنشائها عام 2008 وانطلق إنتاجها الفعلي عام 2014 بطاقة إنتاجية تصل إلى 500 ألف طن من حامض الفوسفوريك سنوياً يوجه كامل إنتاجه إلى السوق الهندية. وتشير الشركة إلى أن العلاقات التجارية مع الهند شهدت توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الشركات الهندية المتعاملة معها من نحو 10 شركات في عامي 2016 و2017 إلى 21 شركة حالياً من كبرى الشركات الهندية، ما أسهم في فتح أسواق جديدة داخل الهند وخارجها وزيادة كميات الإنتاج والخروج من الإطار التقليدي للأسواق المعتادة.
من جانبه، قال أستاذ المالية في جامعة آل البيت عمر الغرايبة لـ«إرم بزنس» إن زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى عمّان تعكس انتقال العلاقة الأردنية–الهندية إلى مستوى أكثر نضجاً وواقعية، مشيراً إلى أن الهند تعد اليوم ثالث أكبر شريك تجاري للأردن، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.5 مليار دولار في عام 2024 وفق بيانات رسمية، مع توقعات بأن يتضاعف ليصل إلى نحو 5 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة.
وأضاف الغرايبة أن أهمية الهند لا تقتصر على كونها سوقاً ضخمة، بل قوة صناعية وتكنولوجية تبحث عن شركاء يتمتعون بالاستقرار والقدرة على النفاذ الإقليمي، وهي عناصر تتوافر في الأردن، خصوصاً في قطاعات الأدوية والأسمدة والخدمات والتكنولوجيا، معتبراً أن ربط الأردن بمبادرات كبرى مثل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا يعزز موقعه كوسيط ذكي في سلاسل الإمداد العالمية. وختم بالقول إن تحويل هذا الزخم إلى مكاسب فعلية يتطلب تسريع الإجراءات المؤسسية ورفع الجاهزية اللوجستية وضمان سرعة التنفيذ، حتى تتحول الشراكة الأردنية–الهندية إلى نموذج تعاون اقتصادي منتج ومستدام.