logo
اقتصاد

فاتورة المناخ تتصاعد.. كيف تواجهها دول المغرب العربي؟

فاتورة المناخ تتصاعد.. كيف تواجهها دول المغرب العربي؟
تُظهر هذه الصورة المأخوذة قبالة ساحل سيدي علي المكي في منطقة غار الملح (تونس) في 22 يوليو 2026 منشآت سياحية تضررت إثر حريق في غابة مجاورةالمصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تتحول موجات الحر وحرائق الغابات المتكررة في دول المغرب العربي إلى فاتورة اقتصادية متصاعدة، مع تزايد الضغوط على الزراعة والطاقة والبنية التحتية وارتفاع كلفة التكيف مع تداعيات المناخ.

وفي تونس والجزائر والمغرب، لم تعد التغيرات المناخية تحديا بيئيا فحسب، بل باتت عبئا اقتصاديا يستنزف الموارد ويهدد قطاعات إنتاجية رئيسية، فيما يحذر خبراء، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، من أن استمرار الظاهرة دون تمويل دولي وتحركات داخلية وتطوير البنى الداخلية للتكيف قد يضاعف الخسائر خلال السنوات المقبلة.

وما حدث خلال صيف 2026 يعطي صورة واضحة عن هذا التحول، ففي تونس وصلت الحرارة في القيروان في يوليو إلى 49.7 درجة مئوية، وتسببت الموجة في ضغط استثنائي على شبكة الكهرباء وانقطاعات للماء والطاقة أثرت حتى على النشاط السياحي والإنتاجي، بحسب الخبير الاقتصادي المغربي، الدكتور إدريس الفينة، في حديث لـ«إرم بزنس».

أخبار ذات صلة

التقرير صادر عن معهد الموارد العالمية (WRI)

تزايد مخيف في حرائق الغابات.. بيانات تُظهر ارتفاع الخسائر عالمياً

وفي المغرب، سجلت مناطق الجنوب والجنوب الشرقي خلال موجة يوليو درجات بين 44 و47 درجة مئوية، مع رفع مستوى الإنذار من الحرائق في عدة أقاليم، بينما سجلت الوكالة الوطنية للمياه والغابات إلى نهاية يوليو نحو 340 حريقاً وقرابة 2,150 هكتاراً متضرراً، وهو رقم كان رغم ذلك أقل بنحو 31% من المتوسط السنوي المرجعي، ما يعكس فعالية نسبية لمنظومة التدخل المبكر، بحسب الفينة.

وفي الجزائر (أكبر بلد في إفريقيا مساحةً)، سجلت الحماية المدنية في يوم واحد خلال يوليو 195 حريقاً، أُخمد منها 142 وبقي 53 قيد المكافحة، وهو ما يعطي فكرة عن حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له أجهزة التدخل خلال موجة حر واحدة، أما تونس فقد سجلت نحو 4,400 هكتار محترق بين مطلع مايو و23 يوليو 2026 مقابل 2,705 هكتارات خلال الفترة نفسها من السنة السابقة، يشير الفينة إلى حجم التغيرات المناخية الضاغطة على الاقتصاد. 

ويوضح استشاري الطاقة والبيئة وتغير المناخ، عضو مجلس الطاقة العالمي الدكتور ماهر عزيز ، في حديث لـموقع «إرم بزنس» أن حرائق الغابات راجعة إلى أن هناك أوراقاً تتساقط من الأشجار على التربة في الغابات دائماً، وهذه الأوراق قد تتحلل، حيث تتحلل أكوام منها وتنتج غاز الميثان، الذي يشتغل مع ارتفاع درجة الحرارة، وتبدأ النار في الانتشار في الغابات.

وحول سبل الحد من النزيف الاقتصادي والوقاية من الحرائق، أضاف: «الحل يكمن في أن تكون لهذه الدول خطة للتنبؤ بارتفاع درجات الحرارة خلال الأيام القادمة، وأن تكون هناك يقظة كاملة في مراقبة الغابات، بحيث يتم إخماد النيران في مهدها عند أي نقطة اشتعال قبل أن تتمدد بجانب نظم رصد ضخمة، يستطيع رؤية الغابات على شاشات تظهر عليها نقطة الالتهاب، لتتجه الطائرات فوراً لإخمادها قبل أن تتمدد».

الكلفة لا تقتصر على  الخسائر المباشرة

في حالة المغرب العربي، يقول إدريس الفينة، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن منطقة شمال إفريقيا لم تعد أمام موجات حر وحرائق موسمية عابرة، بل أمام انتقال تدريجي إلى نظام مناخي جديد أصبحت فيه الصدمات أكثر تواتراً وأشد كلفة اقتصادياً، في ظل تقدير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن إفريقيا تسخن بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، وأن وتيرة الاحترار تقارب ضعف المتوسط العالمي، على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

ويرى الفينة، أن الخطأ هو حصر الفاتورة في قيمة الأشجار أو المباني التي احترقت، خاصة وأن الكلفة الحقيقية متعددة الطبقات، خسارة الغطاء الغابوي والمحاصيل والماشية، و ارتفاع استهلاك الكهرباء والماء، وتضرر الطرق وشبكات الطاقة، وتوقف ساعات العمل بسبب الحرارة، وانخفاض إنتاجية العمال، والضغط على الصحة، وارتفاع كلفة التأمين، وتراجع جاذبية بعض المناطق السياحية، ثم، على المدى البعيد، تفاقم ندرة المياه والهجرة الداخلية من المناطق المتضررة.

فرق الدفاع المدني ومكافحة الحرائق تكافح النيران التي تنتشر عبر منطقة جبلية مشجرة في الحشمية بولاية البويرة، الجزائر- 21 يوليو 2026
فرق الدفاع المدني ومكافحة الحرائق تكافح النيران التي تنتشر عبر منطقة جبلية مشجرة في الحشمية بولاية البويرة، الجزائر- 21 يوليو 2026المصدر: (أ ف ب)

ولفت الفينة إلى أن تقديرات البنك الدولي، تشير إلى أن اجتماع انخفاض الموارد المائية مع تراجع المردودية الزراعية بسبب تغير المناخ يمكن أن يؤدي إلى خسارة تصل إلى 6.5% من الناتج الداخلي الإجمالي، وأن عدم التكيف مع نقص المياه وتآكل السواحل والفيضانات قد يخفض الناتج الحقيقي بحوالي 3.4% بحلول 2030 وبحوالي 6.4% بحلول 2050.

ويشير إلى أن التحدي الاقتصادي الأكبر بالنسبة للمغرب العربي مستقبلاً لن يكون فقط «كم تبلغ كلفة الكوارث؟»، بل كم ستقتطع المخاطر المناخية سنوياً من النمو الممكن؟»، موضحا أنه إذا كانت دولة قادرة نظرياً على تحقيق 4% نمواً، ثم أصبحت تخسر نقطة أو نقطتين بصورة متكررة بسبب الجفاف والحرارة والفيضانات وتراجع الإنتاجية، فنحن أمام تغير هيكلي في مسار التنمية وليس حادثاً مناخياً عابراً.

ما العمل لمواجهة كوراث تتكرر سنوياً؟

 وعن إمكانية مواجهة هذه الفاتورة ووقف النزيف الاقتصادي، قال الفينة: «المطلوب أولاً هو الانتقال من اقتصاد التعويض بعد الكارثة إلى اقتصاد الوقاية قبل الكارثة، فكل درهم ينفق على الإنذار المبكر، وتدبير الغابات، وشبكات المياه المقاومة للجفاف، والتخطيط الحضري للحرارة، يقلل لاحقاً من كلفة الإطفاء والتعويض وإعادة البناء وتعطل النشاط».

وأشار إلى ستة تحولات أساسية ينبغي أن تعتمدها دول المغرب العربي مجتمعة تتمثل في إنشاء أنظمة إنذار مناخي وحرائق أكثر دقة تعتمد الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، وتوسيع الأحزمة الوقائية وإزالة الكتلة النباتية الجافة والتدبير الاستباقي للغابات، وتسريع تحلية المياه وإعادة استعمال المياه العادمة وتقليص ضياع الماء في الشبكات، وإعادة توجيه السياسات الفلاحية نحو الزراعات الأقل استهلاكاً للماء والأكثر تحملاً للحرارة.

ويضاف لذلك بحسب الفينة، تحديث شبكات الكهرباء والتخزين لمواجهة ذروة استهلاك التبريد؛ وإدخال مخاطر المناخ بصورة صريحة في الميزانية العمومية للدولة وفي قرارات الاستثمار والتأمين، داعيا  بناء منظومة مشتركة بين دول المغربي العربي للمراقبة بالأقمار الصناعية، وتبادل الطائرات ووسائل الإطفاء، وقاعدة بيانات إقليمية للمخاطر سيكون أقل كلفة وأكثر فعالية من أن تطور كل دولة منظومتها بمعزل عن الأخرى.

ويخلص الفينة إلى أن «تغير المناخ أصبح متغيراً ماكرو-اقتصادياً يجب التعامل معه بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع التضخم والمديونية وعجز الميزانية، لأن أثره أصبح يمتد إلى النمو والتشغيل والأسعار والأمن الغذائي والماء والطاقة. وكل عام نتأخر فيها عن الاستثمار في التكيف تجعل فاتورة السنوات المقبلة أكبر بكثير».

أخبار ذات صلة

النيران تلتهم المنازل والأشجار وتجبر الناس على الإخلاء، في ماليبو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، يوم 8 يناير 2025

حرائق الغابات تزيد الطلب على طائرات الإطفاء وترفع أرباح الشركات

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف