
تشهد الدول العربية مفارقة لافتة في ما يتعلق بأنماط الدفع، إذ تكشف البيانات المستخلصة من (FOREX Cash Index) أن اعتماد مجتمعاتنا على المعاملات النقدية في العام 2025 ما يزال مرتفعاً مقارنة بالدول المتقدمة، بل وحتى مقارنة بكثير من الدول متوسطة الدخل.
ويأتي لبنان في المرتبة الأولى عربياً بنسبة 90%، متقدّماً بفارق واضح على بقية الدول، ما يعكس عمق الأزمة المالية وانهيار النظام المصرفي، حيث أصبح النقد الورقي الوسيلة الأكثر أماناً وثقة للمواطنين.
العراق يحتل المركز الثاني بنسبة 85%، ثم مصر والأردن بـ80%، وهي دول تشترك في محدودية الشمول المالي، وضعف انتشار خدمات الدفع الإلكتروني، وتفاوت مستويات الثقة بالقطاع المصرفي.
أما دول المغرب العربي، مثل المغرب (65%) وتونس (55%)، فتظهر مستويات أقل نسبياً، لكنها ما تزال مرتفعة مقارنة بالمعايير العالمية.
وفي دول الخليج، تحافظ عُمان والكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات على نسب بين 20% و50%، وهي أرقام أقل بكثير، لكنها تشير إلى أن التحوّل الكامل نحو «مجتمعات لا نقدية» يحتاج ببعض هذه الدول مزيداً من الوقت.
عند مقارنة هذا المشهد الإقليمي بالسياق العالمي، يتضح أن الاعتماد على الكاش ليس ظاهرة عربية فقط، بل يرتبط مباشرة بمستوى التنمية والبنية التحتية المصرفية.
فالدول الأشد فقراً عالمياً مثل ميانمار (98%)، وإثيوبيا (95%)، وغامبيا (95%) تتصدر استخدام النقد بسبب غياب الشمول المالي. في المقابل، تقترب دول مثل السويد (14%) والنرويج (10%) وكوريا الجنوبية (10%) من التحوّل الكامل إلى الدفع الرقمي، مستندة إلى شبكات مصرفية قوية، وبنى تكنولوجية راسخة، وثقافة مصرفية عالية.
وتبرز كذلك «المنطقة الرمادية» في الدول متوسطة الدخل مثل الهند (70%) والمكسيك (80%) وتايلاند (65%)، حيث لا يعني النمو الاقتصادي بالضرورة تراجعاً في الكاش، ما ينسجم مع نمط مشابه في عدة بلدان عربية.
تظهر هذه المقارنة أن العالم يتجه نحو مستقبل رقمي، لكن سرعة الانتقال تختلف بشدة بحسب الثقة بالمؤسسات، ومستوى الدخل، والبنية الرقمية، وهو ما يجعل المنطقة العربية في مرحلة انتقالية معقدة، بين ضرورتين: الحفاظ على النقد… وبناء اقتصاد بلا نقد.