logo
مقالات الرأي

الممرات الخليجية المحايدة.. من سيادة الحدود إلى سيادة التدفق

الممرات الخليجية المحايدة.. من سيادة الحدود إلى سيادة التدفق
صورة من الأعلى لجزر إيرانية في مضيق هرمز المصدر: رويترز

لم تعد قوة الخليج تُقاس فقط بما يختزنه باطن الأرض من نفط وغاز، بل بقدرته على حماية تدفق التجارة والطاقة العالمية حين تضطرب السياسة وتتحول الممرات المائية إلى نقاط ضغط وصراع. وفي منطقة يمر عبرها شريان الاقتصاد العالمي، لم يعد كافياً أن تمتلك كل دولة منظومتها المنفصلة، بل يكمن الأمن الحقيقي في العمل كشبكة عبور مترابطة تصمد وقت الأزمات وتوفر البدائل اللوجستية الفعالة.

من هنا تبرز فكرة «الممرات الخليجية المحايدة»؛ وهي رؤية ومقترح استراتيجي يعيد تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسيادة عبر إنشاء شبكة أنابيب، وسكك حديدية، ومسارات شحن تُدار وفق اتفاقيات جماعية تمنع تعطيل العبور سياسياً، مع حفظ حق الدول الكامل في الأمن والرقابة. ولكي لا تبقى الفكرة تنظيراً، يمكن تصور نقل النفط الكويتي عبر خط محايد إلى ميناء الفجيرة الإماراتي، أو تحريك البضائع عبر قطارات الشحن عند تصاعد التوتر في مضيق هرمز، فالقوة اليوم ليست في امتلاك الممر، بل في إتاحة البديل.

لتبسيط هذه الرؤية، فإن الوضع المستهدف يشبه تماما حركة الطيران الحالية؛ فحين تنتقل طائرة ركاب أو شحن من الكويت إلى الإمارات، فإنها تعبر الأجواء السعودية جوا بشكل مباشر وفق قوانين الملاحة الدولية، دون أن تضطر للهبوط أو الخضوع للقيود التنظيمية لدولة العبور. والمطلوب اليوم هو نقل هذا المفهوم وتطبيقه براً؛ بحيث تعبر القطارات والشاحنات بين الدول عبر مسارات محايدة، ليكون التدفق البري الخليجي بانسيابية الأجواء نفسها.

لا يُعد هذا المفهوم بدعة استراتيجية، بل ممارسة اقتصادية مطبقة بنجاح؛ ففي الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، يضمن نظام «العبور الجمركي» حركة الشحنات عبر دول وسيطة دون فرض أي رسوم مرور أو جمارك من قِبل دولة الترانزيت، مع الاكتفاء بضمان مالي وتتبع رقمي حتى تصل البضاعة وتُدفع رسومها في وجهتها النهائية. هذا الفصل الذكي بين «السيادة على الأرض» و«تعطيل الحركة» هو بالضبط ما يمكن استنساخه خليجيا لضمان الانسيابية.

لا يبدأ هذا المشروع من الصفر، فالبنية التحتية واللوجستية تتشكل بالفعل على أرض الواقع؛ بدءاً من مشروع "قطار الخليج"، ومروراً بنماذج الربط الثنائي الناجحة كشبكة السكك الحديدية بين الإمارات وعُمان، وصولاً إلى انضمام دول الخليج لنظام النقل البري الدولي (TIR) الذي يسهل العبور بضمانات مالية. ما ينقصنا اليوم ليس غياب البنية التحتية أو الأنظمة الدولية، بل غياب «الغطاء السيادي والسياسي الموحد» الذي يجمع هذه المشاريع المتفرقة تحت مظلة «ممرات محايدة» تضمن عدم تعطلها إذا تعقدت الحسابات السياسية. فهذه الرؤية لا تنتقص من السيادة، بل تمنحها مفهومًا أعمق؛ فالسيادة الحديثة هي القدرة على ضمان التدفق وتأمين البدائل، وليست مجرد إغلاق الحدود.

سياسياً: سينقل المشروع مجلس التعاون من التنسيق الدبلوماسي اللفظي إلى مرحلة المصالح المترابطة، مما يمنع استخدام الجغرافيا كورقة ضغط.

اقتصادياً: ستخلق الشبكة ما يُعرف بـ«سيادة التدفق» أو الحياد اللوجستي، مما يخفض كلفة التأمين ومخاطر الأزمات، ويحول البنية التحتية إلى استثمار في الأمن الجماعي.

دولياً وأمنياً: يعزز الخليج مكانته كمنصة موثوقة للوفاء بالالتزامات في أحلك الظروف، ويؤسس لمفهوم "أمن العبور الخليجي" لحماية الشرايين الاقتصادية من الابتزاز الجغرافي.

اجتماعياً: يسهل هذا التدفق حركة الأفراد، مما يعزز الترابط الإنساني والعائلي بين شعوب المنطقة ضمن فضاء اجتماعي متصل.

مع ذلك، يتطلب نجاح هذه الرؤية واقعية تقود لبناء تدريجي مشروط بإطار قانوني ومؤسسي واضح يعتمد على اتفاقيات ملزمة، وهيئات تشغيلية فنية مستقلة تُحيّد التجارة عن أي تجاذبات سياسية طارئة. أمنياً، يتطلب الأمر نظام تتبع رقمي محكم يضمن عدم تسرب شحنات "الترانزيت" إلى أراضي دولة العبور، بحيث تقتصر مسؤولية التفتيش الأمني والجمركي على محطتي الانطلاق والمقصد النهائي فقط دون الحاجة لتعطيل الشحنات في المنتصف. كل ذلك يجب أن يُدعم بآليات تحكيم سريعة تضمن عدم تحول الخلافات السياسية إلى أداة لتعطيل الشريان الاقتصادي للمنطقة.

ولعل العائق الخفي الذي قد يؤخر الانخراط الجاد في هذا المشروع الاستراتيجي لا يكمن في المخاوف الأمنية، بل في التنافس التجاري الشرس وحماية الحصص السوقية للموانئ الوطنية. فمن المنطقي، في حسابات الاقتصاد المباشرة، أن تتخوف بعض الجهات من فقدان أفضليتها الجغرافية لصالح موانئ دول جارة قد تستفيد من هذا الربط البري السريع والمحايد.

لكن الركون إلى هذه الهواجس الاقتصادية في منطقة محاطة ببؤر التوتر والصراعات يُعد مغامرة غير محسوبة. إن بناء هذا النظام لا يعني لعبة «مباراة صفرية» يخسر فيها طرف ليربح الآخر، بل هو ترسيخ لمفهوم «التنافس التعاوني» الذي سيكبر حجم الكعكة اللوجستية للمنطقة بأسرها، ويجذب خطوط ملاحة عالمية جديدة تبحث عن السرعة والأمان معاً.

في نهاية المطاف، يجب ألا تُترك الرؤى الجيوسياسية الكبرى رهينة لحسابات الأرباح والخسائر للشركات المشغلة للموانئ أو شبكات النقل. فالأمن الإقليمي، وشبكات الأمان الوجودية، واستمرار تدفق الحياة في أوقات الأزمات، أثقل في ميزان الدول من أي عوائد مرحلية. الخليج اليوم بحاجة إلى عقل عبور يدرك أن الميناء الأقوى ليس الذي يحتكر الطريق في وقت السلم، بل الذي يمتلك مسارات بديلة للنجاة حين تندلع العواصف.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف