logo
مقالات الرأي

لماذا يجب على البنوك إعادة التفكير في الخدمات المصرفية للشركات؟

لماذا يجب على البنوك إعادة التفكير في الخدمات المصرفية للشركات؟
عندما تعمل البنوك في جزر معزولة، فإنها غالباً ما تفوّت القيمة الكاملة لعلاقاتها مع العملاء.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

شهدت طريقة عمل الشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً جذرياً؛ غير أن الخدمات المصرفية للشركات لم تتطور بالوتيرة المتسارعة ذاتها. فالشركات اليوم باتت أكثر رقمنة، وأكثر تدويلاً، وأشد ترابطاً وتداخلاً مما كانت عليه قبل عقد من الزمان. على سبيل المثال، قد تعتمد شركة متوسطة الحجم في دبي حالياً على موردين في شتى أنحاء آسيا، وتدير قاعدة عملاء تغطي دول مجلس التعاون الخليجي، وتجري مدفوعات بعملات متعددة، وتتعامل مع متطلبات متزايدة التعقيد في مجالات الامتثال والضرائب، وتتطلع في الوقت ذاته إلى الحصول على رؤية فورية وشاملة لبياناتها المالية.

يتزامن هذا التحول مع وتيرة التنويع الاقتصادي المتسارعة التي تشهدها دولة الإمارات. فوفقاً لوزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، ساهمت الأنشطة غير النفطية بنسبة قياسية بلغت 77.3% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدولة في الربع الأول من عام 2025، لتسجل بذلك أعلى مساهمة في تاريخ البلاد. وتواصل قطاعات التمويل، والتجارة، والخدمات اللوجستية، والصناعة التحويلية، والتشييد والبناء دفع عجلة هذا النمو.

أخبار ذات صلة

أشخاص يمرون أمام المقر الرئيسي لـ«جيه بي مورغان» في نيويورك يوم 26 مايو 2023.

بنوك عالمية تقترب من تمويل اليابان لاستثمار 550 مليار دولار في أميركا

في الوقت الذي ترسخ فيه دولة الإمارات مكانتها كمركز عالمي للأعمال والاستثمار، تتبدل تطلعات الشركات وتوقعاتها من القطاع المصرفي. ومع ذلك، لا تزال العديد من المؤسسات المالية تدير علاقاتها مع الشركات في جزر معزولة وبمعزل عن بعضها البعض، مما يحد من قدرتها على تكوين رؤية مترابطة ومتكاملة للعملاء.

فالشركات لا تنظر أبداً إلى الخدمات المصرفية بوصفها منتجات منفصلة؛ إذ قد تعتمد شركة خدمات لوجستية -في آن واحد- على تمويل التجارة لتغطية الواردات، وخدمات الخزانة لإدارة مخاطر العملات الأجنبية، والتسهيلات الائتمانية للتوسع، وأنظمة صرف الرواتب للموظفين، والبنية التحتية للمدفوعات الرقمية للموردين. وبالمثل، قد تعتمد مجموعة تعمل في قطاع الضيافة على خدمات قبول المدفوعات/الاستحواذ التجاري، وإدارة النقد، وصرف العملات الأجنبية، وحلول رأس المال العامل معاً. فمن منظور العميل، تشكل هذه الخدمات مجتمعة أجزاءً مترابطة لا تتجزأ من إدارة أعماله اليومية.

لكن داخل العديد من البنوك، لا تزال هذه الخدمات تُدار بشكل منفصل عبر فرق وأنظمة مستقلة. فقد لا يمتلك مديرو علاقات العملاء المسؤولون عن التسهيلات الائتمانية أي رؤية حول أنشطة الخزانة، وقد تتابع فرق المدفوعات أحجام المعاملات دون فهم طبيعة العلاقة الأوسع مع العميل. ونتيجة لذلك؛ غالباً ما يُطلب من العملاء تقديم المعلومات نفسها مراراً وتكراراً لأقسام مختلفة، في حين قد تبدو أسعار الخدمات والتوصيات المقدمة منفصلة تماماً عن الاحتياجات الفعلية لأعمالهم.

يفضي هذا الوضع إلى تراجع الكفاءة التشغيلية، وتقديم تجربة عملاء تتسم بالتشتت والاتساق المفقود، في وقت تتطلع فيه الشركات بشكل متزايد إلى تفاعل سلس وقائم على البيانات. وتزداد حدة هذا التحدي مع تطور بيئة الأعمال والشركات في دولة الإمارات.

علاوة على ذلك، شهد قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة تطوراً ملموساً؛ فبحسب مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، وصل إجمالي رصيد التسهيلات والقروض التي قدمتها البنوك الإماراتية للشركات الصغيرة والمتوسطة إلى 81.2 مليار درهم إماراتي بحلول نهاية النصف الأول من عام 2024، في حين تساهم هذه الشركات اليوم بأكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للدولة. وباتت هذه الشركات تمتلك احتياجات مصرفية أكثر تعقيداً؛ فالكثير منها يعمل عابراً للحدود، ويدير معاملات متعددة العملات، ويعتمد على المدفوعات الرقمية، ويتطلب وصولاً أسرع إلى السيولة ورأس المال العامل. ومن ثم، تواجه البنوك ضغوطاً متزايدة لتقديم تجارب مترابطة ومدعومة برؤى تحليلية لهذه الشركات أيضاً.

على المنوال نفسه، تختلف دورات التشغيل والمتطلبات التمويلية لشركة صناعية اختلافاً شاسعاً مقارنة بشركة استشارات تقنية، أو شركة تجزئة، أو مزود خدمات لوجستية، وتتباين توقعات كل منها من العلاقات المصرفية بالدرجة ذاتها.

أخبار ذات صلة

مقر بنك أبوظبي الإسلامي في الإمارات

بنوك الإمارات تمتلك 1.5 تريليون دولار.. هل حان وقت الصفقات الكبرى؟

لهذا السبب، أصبحت النماذج المصرفية التقليدية القائمة على المنتجات الفردية قديمة وغير مجدية؛ فعندما تعمل البنوك في جزر معزولة، فإنها غالباً ما تفوت القيمة الكاملة لعلاقاتها مع العملاء. ويحد هذا من فرص البيع المتقاطع لخدمات أخرى، ويضعف التنسيق في تقديم الخدمة، ويؤدي إلى اتخاذ قرارات تسعير لا تعكس الحجم الحقيقي للأعمال التي يجلبها العملاء. فضلاً عن ذلك، ومع تسارع وتيرة تحديث أنظمة المدفوعات في دولة الإمارات، فإن المدفوعات الرقمية الأسرع، والتسويات الفورية، ومنظومات الخزانة المتكاملة ستوفر رؤى أعمق حول كيفية إدارة الشركات لعملياتها وسيولتها. وتخاطر البنوك التي تعجز عن ربط هذه الرؤى بفقدان فرص تجارية سانحة وإضعاف نموها وقدرتها على الاحتفاظ بالعملاء على المدى الطويل.

وبات عملاء الخدمات المصرفية للشركات يتطلعون بصورة متزايدة إلى قرارات أسرع، ودعم أكثر تنسيقاً، وعلاقات مصرفية تعكس الواقع الفعلي لآلية عمل شركاتهم. وعندما لا تُلبّى هذه التوقعات، تتجه الشركات إلى توزيع أنشطتها المصرفية على مؤسسات مالية متعددة بدلاً من تعميق شراكتها مع بنك واحد. وبالنسبة للبنوك، يعني هذا تراجع حصتها من تعاملات العميل المصرفية وإضعاف العلاقات التجارية طويلة الأمد.

إن الميزة التنافسية القادمة في قطاع الخدمات المصرفية للشركات ستنبع من توفير رؤية أفضل وأشمل للبيانات، وليس من طرح مزيد من المنتجات. وتبرز حاجة البنوك المتزايدة إلى تكوين فهم مترابط لعلاقات العملاء يشمل التسهيلات الائتمانية، والخزانة، والمدفوعات، وتمويل التجارة، والخدمات، والأنشطة التجارية. فالمؤسسات التي تمتلك رؤية شاملة وأقوى قادرة على اتخاذ قرارات أفضل بشأن المخاطر، وتحسين اتساق التسعير، ورصد فرص الإيرادات مبكراً، وتقديم دعم أكثر ملاءمة لعملائها.

وتعني هذه الرؤية الشاملة أيضاً تنسيقاً أفضل للخدمات، وإدارة أذكى للصفقات والتسعير. ومن واقع خبرتنا في العمل مع المؤسسات المالية عالمياً، نجد أن أحد أكبر العوائق يكمن في عدم القدرة على ربط القرارات التجارية عبر المنتجات المختلفة؛ إذ غالباً ما تُدار عمليات التسعير القائمة على العلاقة مع العميل، وحوكمة الصفقات، والفوترة، والربحية بشكل منفصل وبمعزل عن بعضها البعض، مما يخلق فجوات في كيفية تقييم البنوك لعلاقاتها مع الشركات وتعظيم الاستفادة منها. وتتيح الاستعانة بمنصة موحدة لإدارة الإيرادات دمج هذه القدرات معاً، مما يمكن البنوك من اتخاذ قرارات مدروسة، وتعزيز حوكمة التسعير، وتقديم تجربة عملاء أكثر اتساقاً وتميزاً.

والأهم من ذلك هو أن البنوك تكتسب فهماً أكثر وضوحاً للمجالات والمنافذ التي تتيح نمواً مستداماً حقيقياً. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في دولة الإمارات، حيث تقود قطاعات مثل التجارة، والخدمات المالية، والخدمات اللوجستية، والتشييد، والصناعات التحويلية المتقدمة الزخم الاقتصادي الحالي. وتخاطر المؤسسات المالية التي تعاني من هياكل داخلية مفككة بفقدان الرؤية الواضحة للشركات التي تصيغ ملامح المرحلة القادمة من مسيرة النمو في البلاد.

إن مستقبل الخدمات المصرفية للشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة سيتوقف على مدى عمق فهم البنوك لعملائها وقدرتها على التكيف مع احتياجاتهم المتطورة. فالشركات تتطلع بصفة مستمرة إلى تجارب مصرفية أسرع وأكثر ترابطاً، وستكون المؤسسات التي تبني نماذج أعمال ترتكز على العميل في المقام الأول هي الأكثر قدرة وتأهيلاً لتحقيق النمو والريادة على المدى الطويل.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف