
لا يُختبر تماسك التكتلات الإقليمية في لحظات الاتفاق، بل في قدرتها على إدارة الاختلاف. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تختلف دول الخليج في مواقفها تجاه إيران؟ بل: هل يدير مجلس التعاون هذا التباين بوصفه مصدر قوة، أم يتركه يتحول إلى مصدر ضعف؟.
ينطلق كثير من التحليلات من افتراض أن وحدة الموقف هي المعيار الوحيد لقوة التكتلات. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن التكتلات الأكثر فاعلية ليست تلك التي تتطابق سياساتها في كل الملفات، بل تلك التي توحد أهدافها الاستراتيجية، مع تنوع أدواتها ومرونة أدوارها.
وينطبق ذلك على دول مجلس التعاون، التي تختلف في موقعها الجغرافي، وبنية اقتصاداتها، وطبيعة التحديات التي تواجهها، وشبكة علاقاتها الدولية. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التنوع على أدوات السياسة الخارجية، لكنه لا ينبغي أن يمتد إلى المصالح الاستراتيجية العليا أو إلى وحدة الرؤية الخليجية.
وكما أن جاهزية الدولة تُقاس بقدرتها على إدارة المخاطر لا تجنبها، فإن جاهزية التكتلات تُقاس بقدرتها على إدارة التباين لا إلغائه. فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف، بل في غياب الإطار الذي يحوله إلى قيمة استراتيجية. ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته «هندسة التباين»؛ أي تحويل تنوع السياسات إلى تكامل في الأدوار، بدلاً من أن يتحول إلى تشتت في الاتجاهات.
فعندما تعمل بعض الدول على إبقاء قنوات الحوار والوساطة مفتوحة، بينما تركز أخرى على تعزيز الردع والشراكات الدفاعية، وتسعى دول ثالثة إلى توسيع المصالح الاقتصادية، فإن هذه الأدوار لا تبدو متعارضة إذا انطلقت جميعها من رؤية خليجية واحدة. بل إنها تمنح المنظومة الخليجية مرونة أكبر في التعامل مع بيئة إقليمية تتسم بعدم اليقين، وتوسع هامش الحركة أمام صانع القرار بدلاً من تقييده بخيار واحد.
ولأن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات القوة في عالم اليوم، فإن نجاح مجلس التعاون في إدارة هذا التباين لا ينعكس على الأمن الإقليمي فحسب، بل يمتد أثره إلى ثقة المستثمرين واستقرار الأسواق وسلامة الممرات البحرية واستمرارية سلاسل الإمداد. فالمستثمر لا يقيس المخاطر بحجم الخلافات، وإنما بقدرة المؤسسات على إدارتها. وكلما ارتفع مستوى التنسيق الاستراتيجي بين دول المجلس، انخفضت كلفة عدم اليقين، وتعززت جاذبية الخليج بوصفه بيئة مستقرة للأعمال والاستثمار، حتى في ظل محيط إقليمي متقلب.
أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما يتجاوز التباين حدود الوسائل إلى اختلاف في تعريف المصالح والأولويات. عندها يفقد التنوع وظيفته، ويتحول إلى ثغرة جيوسياسية تسمح للقوى الإقليمية بإدارة علاقاتها مع كل دولة على حدة، بما يضعف الموقف الخليجي الجماعي، ويرفع في الوقت نفسه الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي تصدع في الموقف المشترك.
ولذلك، فإن معيار نجاح أي تباين خليجي لا يكمن في حجمه، بل في أثره: هل يعزز أمن الخليج الجماعي؟ وهل يحمي الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والمصالح الاقتصادية؟ وهل يحد من قدرة القوى الإقليمية على استثمار الفجوات بين دول المجلس؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن التباين يتحول إلى أصل استراتيجي. أما إذا كانت الإجابة لا، فإنه يصبح عبئاً مهماً بدت مبرراته الوطنية.
إن مستقبل مجلس التعاون لن تحدده قدرته على إنتاج موقف واحد في كل القضايا، وإنما قدرته على الحفاظ على وحدة البوصلة مع تنوع المسارات. فالتكتلات الناجحة لا تلغي اختلاف أعضائها، بل توظفه لتعزيز مرونتها الاستراتيجية وقدرتها الاقتصادية في آن واحد.
فالتباين ليس نقيض الوحدة، بل قد يكون أحد شروطها إذا أُدير ضمن رؤية مشتركة ومؤسسات فاعلة. وفي عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمار بقدر تنافسها على تحقيق النفوذ، تصبح وحدة البوصلة الخليجية أصلاً اقتصادياً واستراتيجياً لا يقل أهمية عن كونها ضرورة أمنية؛ فاستقرار الرؤية المشتركة يخفض كلفة المخاطر، ويعزز الثقة، ويمنح الخليج ميزة تنافسية يصعب تقليدها.
أما الخطر الحقيقي فلا يبدأ عندما تختلف السياسات، وإنما عندما تختلف البوصلات.