logo
مقالات الرأي

الشركة المساهمة في الخليج بين أولويات.. «المساهمين أو أصحاب المصالح»؟

الشركة المساهمة في الخليج بين أولويات.. «المساهمين أو أصحاب المصالح»؟
مركبات على شارع الشيخ زايد في دبي، بتقنية التصوير البطيء، يوم 20 مارس 2025.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

منذ سبعينيات القرن الماضي، يدور في الفكر الإداري جدل عميق حول سؤال يبدو بسيطاً لكنه يمسّ جوهر النظام الرأسمالي: ما الهدف الحقيقي للشركة المساهمة؟ هل وُجدت لتعظيم ثروة مساهميها فحسب، أم أنها كيان اقتصادي واجتماعي ينبغي أن يوازن بين مصالح جميع الأطراف المرتبطة به؟.

في الولايات المتحدة، ترسّخت فكرة «أولوية المساهمين» بقوة على يد الاقتصادي المعروف ميلتون فريدمان عام 1970 في أطروحة شهيرة اعتبرت أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة للشركة هي مصلحة المساهمين فقط عن طريق زيادة أرباحها ضمن حدود القانون. وقد قاد هذا التصور إلى نموذج حوكمة واضح المعالم: الإدارة مسؤولة أمام المساهمين، والمقياس النهائي للنجاح هو سعر السهم والعائد على رأس المال.

في المقابل، تطورت في اليابان وألمانيا وغيرها من الاقتصادات الآسيوية والأوروبية مقاربة مختلفة، تُعرف بـ«نموذج أصحاب المصالح»، ترى أن الشركة ليست مجرد أداة لتعظيم أرباح المساهمين فيها، بل كياناً متشابكاً بين هؤلاء المساهمين ومع العمال والموردين، والعملاء، والمجتمع. وقد أسهم هذا النموذج في تحقيق استقرار مؤسسي طويل الأجل، لكنه في كثير من الحالات أدى إلى ضعف نسبي في كفاءة تخصيص رأس المال وانخفاض العائد على حقوق الملكية، ما انعكس تاريخيا في خصومات تقييمية لأسواق الأسهم الآسيوية مقارنة بنظيرتها الأميركية.

أما في الخليج، وبخاصة في الإمارات، فلم تتشكل الشركات المساهمة ضمن السياق ذاته الذي عرفته أميركا الصناعية أو آسيا ما بعد الحرب. فقد نشأت في بيئة اقتصادية تقودها الدولة، وتُهيمن فيها الشركات العائلية، وتلعب فيها القطاعات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية دوراً محورياً. ومع توسع النشاط الاقتصادي، تحولت العديد من الشركات إلى مساهمة عامة، لكن هيكل الملكية بقي في الغالب مركزًا في يد مساهم رئيسي، سواء كان جهة حكومية أو صندوقاً سياديا أو عائلة مؤسِّسة.

هذا الواقع أفرز نموذجًا خليجيًا هجينًا؛ فلا هو تطبيق صارم لأولوية المساهمين كما في الولايات المتحدة، ولا هو تبنٍ كامل لنموذج أصحاب المصالح كما في بعض دول آسيا. بل يمكن القول إن النموذج السائد تاريخيًا كان أقرب إلى «أولوية المساهم المسيطر»، حيث يحتفظ المالك الأكبر بتأثير حاسم في القرارات الاستراتيجية، بينما تبقى مساهمة الأقلية محدودة التأثير.

غير أن العقد الأخير شهد تحولات مهمة. فقد تطورت الأطر التنظيمية في الإمارات والخليج بشكل ملحوظ، سواء من حيث الإفصاح، أو قواعد التعامل مع الأطراف ذات العلاقة، أو تعزيز استقلالية مجالس الإدارة، أو رفع معايير الحوكمة. كما أن اتساع قاعدة المستثمرين الأجانب، وتزايد الإدراجات الكبرى، وعمق الأسواق المالية، كلها عوامل دفعت نحو مزيد من الانضباط المؤسسي.

ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري هو إلى أين ينبغي أن تتجه الشركة المساهمة في الخليج؟.

إذا تم تبني أولوية المساهمين بمعناها الضيق، فقد يؤدي ذلك إلى تضييق أفق الشركة وتحويلها إلى أداة لتحقيق أرباح قصيرة الأجل، بما قد يتعارض مع الأهداف التنموية والاستقرار الاجتماعي. وإذا جرى التوسع غير المنضبط في مفهوم أصحاب المصالح، فقد تضعف المساءلة المالية وتتراجع كفاءة تخصيص رأس المال.

المعادلة الأكثر اتزاناً ربما تكمن في الجمع بين الانضباط المالي وتعظيم قيمة المساهمين على المدى الطويل، وبين مراعاة البعد التنموي والاجتماعي الذي يميز اقتصادات الخليج. فتعظيم قيمة السهم لا يعني السعي وراء الربح السريع، بل يعني تحقيق عائد يفوق تكلفة رأس المال، واستثمارًا مستدامًا، وتوزيعًا عادلًا للأرباح، وشفافية تحمي حقوق الأقلية.

هذا التحول ليس خياراً فكرياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية. فمع نمو صناديق التقاعد، وازدياد الانفتاح على رأس المال العالمي، واحتدام المنافسة بين الأسواق، لن تستطيع أي سوق مالية جذب استثمارات طويلة الأجل إذا لم تقدم عائداً تنافسياً وحوكمة قوية وثقة مؤسسية عالية.

الشركة المساهمة في الإمارات والخليج تقف اليوم أمام فرصة تاريخية. فهي قادرة على صياغة نموذج خاص بها، يستفيد من وضوح المساءلة في التجربة الأميركية، ومن الاستدامة المؤسسية في بعض التجارب الآسيوية، دون أن يفقد خصوصيته المرتبطة بالدور التنموي للدولة وطبيعة البنية الاقتصادية الإقليمية.

في النهاية، الشركة ليست جمعية خيرية، وليست أيضاً مجرد آلة لإنتاج أرباح سريعة. إنها أداة لتجميع رأس المال وتخصيصه بكفاءة. وأي نموذج يحقق هذه الكفاءة ضمن إطار حوكمة شفاف ومستدام سيكون الأقدر على خدمة المساهمين والمجتمع في آن واحد.

المستقبل لا ينتمي لأحد النموذجين في صورتهما المطلقة، بل لنموذج حديث يوازن بين الربحية والانضباط والاستدامة، ويجعل من السوق منصة جاذبة لرأس المال، لا مجرد ساحة تداول. ولم لا يكون ذلك النموذج خليجياً؟.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف