logo
مقالات الرأي

أجندة دبي الاقتصادية D33 والقواعد الجديدة للقيادة الاقتصادية

أجندة دبي الاقتصادية D33 والقواعد الجديدة للقيادة الاقتصادية
مركز دبي المالي العالمي المصدر: موقع مركز دبي المالي العالمي
تاريخ النشر:

تواجه الحكومات حول العالم التحدي ذاته: كيف تضمن تحقيق النمو والمرونة الاقتصادية في فترةٍ تسودها القيود المالية التي تفرض واقعاً جديداً، وتتسارع فيها الابتكارات التكنولوجية والانقسامات الجيوسياسية، إلى جانب ارتفاع الأصوات التي تطالب بإرساء التحول الأخضر والشمول الاجتماعي.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تحدد أجندة دبي الاقتصادية D33 هدفاً واضحاً، يتمثل في مضاعفة حجم اقتصاد دبي ليبلغ 32 تريليون درهم إماراتي بحلول عام 2033، وترسيخ مكانة الإمارة بين أفضل ثلاث مدن عالمية. كما تهدف الأجندة إلى زيادة عوائد التحول الرقمي لتصل إلى 100 مليار درهم إماراتي سنوياً، وزيادة استثمارات القطاع الخاص إلى 1 تريليون درهم إماراتي خلال العقد المقبل، وتوفير ما يصل إلى 65 ألف فرصة عمل للشباب الإماراتي. وتكمن أهمية هذه المستهدفات الطموحة فيما تعكسه من تحوّل في مفهوم القيادة الاقتصادية وطبيعتها في عالمٍ يشهد تغيرات متسارعة.

وبحسب ما تشير إليه أبحاث فيليب أغيون وبيتر هويت، الفائزين بجائزة نوبل العام الماضي، فإنّ نماذج النمو في الدول متوسطة الدخل يمكن أن تكتفي بالاعتماد على الموارد الطبيعية أو العمالة منخفضة التكلفة؛ في حين أن الاقتصادات مرتفعة الدخل، مثل دولة الإمارات، يجب أن ترتكز على أسسٍ متينةٍ من رأس المال البشري، ونماذج ريادة الأعمال، ومقوّمات المنافسة والابتكار. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من الاستثمار في التعليم، ودعم الأبحاث، وتوفير الإمكانات اللازمة للمضي قدماً والتكيف مع التغيرات التكنولوجية المتسارعة. كما يستوجب ذلك تحفيز الشركات على الابتكار، ودعم المؤسسات الواعدة، وإزالة العقبات أمام إعادة توجيه الموارد نحو قطاعات أكثر حيوية، فضلاً عن إرساء بيئة تنظيمية ومالية تدعم المخاطرة وتحافظ على مستويات منافسة صحية.

ويُشكّل هذا النموذج الجديد للنمو جوهر استراتيجية التنويع الاقتصادي في دولة الإمارات، والتي تضع التحول الرقمي وريادة الأعمال والتعليم العالي وتنمية المهارات في صدارة أولوياتها. كما تنطلق هذه الاستراتيجية من إدراكٍ واضح بأن الميزة التنافسية في القرن الحادي والعشرين تكمن في القطاعات القائمة على المعرفة والابتكار.

أخبار ذات صلة

إطلاق أجندة دبي الاجتماعية 33 بميزانية 57 مليار دولار

نموذج يجمع بين المرونة والرؤية المستقبلية الواضحة

تولي أجندة دبي الاقتصادية D33 أهمية قصوى للمؤسسات التي تتمتع بموثوقية عالية ورؤية واضحة، وتمتلك سياسات محددة ولوائح تنظيمية شفافة؛ وهي عواملٌ تسهم في إرساء بيئة مثالية لجذب المستثمرين والمبتكرين ورواد الأعمال. ومن الطبيعي أن يؤدي وضوح القوانين واستقرارها إلى نجاح الأعمال وتدفق الاستثمارات، وخاصة بالنسبة لرؤوس الأموال المتنقلة حول العالم والمتخصصين الخبراء ممن تسعى دبي لاستقطابهم والاحتفاظ بهم.

غير أن الالتزام باستقرار القواعد المنظمة للأعمال لا يعني الجمود أو التمسك بالوضع القائم؛ فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، ما يفرض على الحكومات أن تتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف والاستجابة لهذه المتغيرات. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 عن مدى سرعة تعطل سلاسل التوريد، وما يمكن أن يصيب أسواق العمل والأنظمة المالية من اضطرابات. كما أظهرت في الوقت ذاته إمكانية تعافي هذه الأسواق وتعزيزها بسرعة، وذلك عندما تتكاتف المجتمعات والحكومات وقطاعات الأعمال. وتتطلب القيادة القادرة على بناء اقتصاد أكثر مرونة تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار والقدرة على التكيف؛ بحيث توفر وضوحاً وثقة طويلة الأمد، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة لمواجهة التحديات والفرص المتغيرة.

منظر عام لدبي، وبدا برج خليفة وبرج العرب، 19 يونيو 2026
منظر عام لدبي، وبدا برج خليفة وبرج العرب، 19 يونيو 2026المصدر: «رويترز»

ويعني ذلك تحديد رؤية واضحة طويلة الأجل مع الحفاظ على المرونة في كيفية تحقيق الأهداف. ويمكن للحكومات الاستجابة بسرعة لهذه المتطلبات دون خلق حالة من عدم الاستقرار، وذلك عند اعتمادها على الخدمات الرقمية العامة، والحوار الوثيق مع الشركات، والاستعداد لتعديل اللوائح التنظيمية عند الحاجة. ويُقدّر المستثمرون ورواد الأعمال وضوح التوجهات والسياسات المستقبلية، حتى وإن تطورت الأدوات والوسائل المستخدمة لتحقيقها بمرور الوقت. وتوفر أجندة دبي الاقتصادية D33 هذا الإحساس بالاستقرار والثبات في التوجه، مع الإبقاء على المساحة اللازمة للتكيف مع المتغيرات المستقبلية، وذلك من خلال وضع البنية التحتية الرقمية، والتعليم، وتنمية القطاع الخاص في صميم استراتيجيتها.

إنّ القدرة على التكيّف، التي أثبتت أهميتها البالغة خلال الجائحة، أصبحت اليوم أكثر أهمية في ظل التحديات التي تواجه قادة الأعمال حول العالم، وتتمثل في الانقسامات الجيوسياسية، والحروب التجارية، والتطورات التكنولوجية. وتستجيب الدول الناجحة لهذه الصدمات من خلال الاعتماد على المرونة والالتزام الشفاف بتنفيذ استراتيجيتها طويلة الأجل. وفي هذا السياق، توضح أجندة دبي الاقتصادية D33 أن البنية التحتية الرقمية، وإصلاح التعليم، وتنمية القطاع الخاص هي أولويات مستدامة بصرف النظر عن الظروف الخارجية. ويسهم هذا الوضوح في تعزيز ثقة المستثمرين ورواد الأعمال، ويمنحهم رؤية أكثر يقيناً تجاه المستقبل.

أخبار ذات صلة

طائرات تابعة لشركة «طيران الإمارات» على أرض مطار دبي الدولي، الإمارات العربية المتحدة، 13 يناير 2021

مطار دبي الأكثر اتصالاً إقليمياً والـ10 عالمياً في الطيران الاقتصادي

الانفتاح يثمر ابتكاراً ونمواً

تسعى دولة الإمارات إلى تحديد ودعم جهود 400 شركة واعدة للتوسع نحو العالمية، حيث تدرك الدولة أن التنافسية لا تتحقق بوجود حدود مغلقة؛ فالوصول إلى الأسواق العالمية أمرٌ بالغ الأهمية لتحقيق النمو القائم على الابتكار، إذ لا تؤتي الاستثمارات في البحث والتطوير والتقنيات الحديثة ثمارها الكاملة إلا عندما تكون الأسواق المستهدفة واسعة بما يكفي لاستيعابها وتعظيم أثرها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لأي اقتصاد طموح، باستثناءات محدودة قد تشمل الولايات المتحدة والصين، أن يعتمد على أسواقه المحلية وحدها لتحقيق نمو مستدام؛ فالحضور الفاعل والمستمر على الساحة الدولية يوفر الحجم الاقتصادي والحوافز اللازمة التي يحتاجها المبتكرون والمستثمرون لتوسيع أعمالهم وتحويل الأفكار الجديدة إلى فرص نمو حقيقية.

كما يسهم النشاط الدولي في تعزيز تدفق الأفكار والخبرات وتبادل المعرفة؛ فالشركات التي تعمل عبر الحدود تكتسب فرصاً أكبر للاطلاع على التقنيات الحديثة، والممارسات الإدارية المتطورة، واحتياجات العملاء المتنوعة، الأمر الذي يسرّع وتيرة التعلم ويرفع مستويات الإنتاجية والكفاءة. وتنجح دبي في تحويل التكامل العالمي إلى ميزة اقتصادية ملموسة، من خلال ربط الأسواق في مختلف المناطق وترسيخ مكانتها كجسر يربط بين القارات، الأمر الذي يعزز قدرتها التنافسية ويدعم مسيرتها نحو تحقيق نمو مستدام قائم على الابتكار والانفتاح على العالم.

إن استقطاب أفضل الخبرات هو ميزة رئيسية أخرى للتكامل العالمي، وهو أمرٌ بالغ الأهمية للقطاعات القائمة على المعرفة؛ إذ تحتاج الشركات العالمية إلى مواهب بمستويات عالمية. وقد حققت دبي خلال العقود الأخيرة ازدهاراً كبيراً بفضل استقطابها لألمع العقول في جميع أنحاء العالم، وتوفير بيئة مثالية لهم. ويقتضي تحقيق مزيد من النمو مضاعفة الجهود المبذولة في هذا السياق، لذا يلعب الاستثمار في التعليم العالي ومضاعفة عدد الطلاب، والذي يعدّ جزءاً أساسياً من أجندة دبي الاقتصادية D33، دوراً محورياً في نجاح الاستراتيجية. وتهدف دبي لتصبح مركزاً عالمياً رائداً للتعليم العالي من خلال الاستثمار في جامعات جديدة عالمية المستوى، وجذب أفضل المؤسسات التعليمية في العالم. وفي ضوء ذلك، افتتحت كلية لندن لإدارة الأعمال حرمها الجامعي في دبي عام 2007، وتستقبل منذ ذلك الحين الطلاب من مختلف أنحاء العالم. وقد استقر العديد من خريجي الجامعة في دولة الإمارات للمساهمة في مسيرة التحول الاستثنائية التي تخوضها.

وتجسّد أجندة D33 مبدأً واضحاً وعملياً يتمثل في أن المؤسسات والسياسات المستقرة، إلى جانب المشاركة الدولية المستدامة، وتعزيز الابتكار، والاستثمار في رأس المال البشري، تشكل جميعها أساساً متيناً لتحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد ومستدام. وتقف دبي كمثال بارز على كيفية تحويل الأهداف الطموحة إلى نتائج مستدامة وواضحة، من خلال الربط بين وضوح الرؤية الاستراتيجية والالتزام بتنمية القطاعات القائمة على المعرفة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف