logo
تكنولوجيا

بياناتك مقابل الخدمة.. الصفقة غير المعلنة بالتطبيقات المجانية

بياناتك مقابل الخدمة.. الصفقة غير المعلنة بالتطبيقات المجانية
مجلد «ميتا» يحتوي على تطبيقات منها «فيسبوك»، و«إنستغرام»، و«واتساب»، على شاشة هاتف ذكي في هذه الصورة التوضيحية التي تم التقاطها في 10 يوليو 2026المصدر: «أ ف ب»
تاريخ النشر:

أصبحت التطبيقات جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، من التواصل والترفيه إلى التسوق والعمل وإدارة الخدمات المختلفة، حتى بات من الصعب تخيل استخدام الهاتف من دونها. ومع ذلك، فإن انتشار التطبيقات المجانية خلق نموذجاً اقتصادياً جديداً لا يعتمد دائماً على تحصيل المال من المستخدم مباشرة، بل على الاستفادة من البيانات والسلوك الرقمي الناتج عن استخدامه. فكل نقرة وبحث وموقع وصلاحية قد تحمل قيمة تجارية في سوق أصبحت فيه المعلومات أحد أهم الأصول. ومع توسع اقتصاد الإعلانات الرقمية وتنافس شركات التكنولوجيا على جذب المستخدمين، تبرز الخصوصية كجزء من المعادلة الاقتصادية نفسها، ما يطرح سؤالاً يتجاوز فكرة «المجاني»: من يدفع التكلفة الحقيقية للخدمة، وكيف تتحول بيانات المستخدم إلى مصدر للقيمة والأرباح؟.

أعاد الاقتصاد الرقمي تعريف مفهوم «المقابل»، فالتطبيق المجاني قد لا يطلب منك المال مباشرة، لكنه يستطيع الاستفادة اقتصادياً من البيانات التي تنتجها أثناء استخدامه، من عمليات البحث والنقر إلى الموقع الجغرافي ونوع الجهاز والاهتمامات. وهنا تتحول البيانات من مجرد معلومات شخصية إلى مورد اقتصادي يمكن أن يساعد الشركات على بناء منتجات أكثر دقة واستهداف الإعلانات وتحليل سلوك الأسواق.

أخبار ذات صلة

لقطة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «كلاود إتش كيو» في آشبورن بولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة، في 26 أغسطس 2026.

طفرة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون تواجه غضب السكان

البيانات أصبحت جزءاً من نموذج الأعمال

لا يعني ذلك أن كل تطبيق مجاني يبيع بيانات مستخدميه، فمصادر الإيرادات تختلف بين خدمة وأخرى. بعض الشركات تعتمد على الإعلانات، وأخرى على الاشتراكات المدفوعة أو عمليات الشراء داخل التطبيق، بينما تستخدم شركات أخرى النسخة المجانية لجذب المستخدمين إلى خدمات أو منتجات مدفوعة.

لكن العامل المشترك هو أن البيانات أصبحت ذات قيمة اقتصادية متزايدة. فعندما تعرف المنصة ما يبحث عنه المستخدم وما المحتوى الذي يتوقف عنده والأوقات التي يكون فيها أكثر نشاطاً، تستطيع تحسين الإعلانات والخدمات والتوصيات.

وهذا يفسر كيف يمكن لشركة أن تقدم منتجاً رقمياً لملايين الأشخاص من دون تحصيل رسوم مباشرة منهم. المستخدم نفسه قد يكون جزءاً من المعادلة الاقتصادية، ليس بوصفه مشترياً، بل بوصفه مصدراً للمعلومات التي تساعد المنصة على تحقيق الإيرادات.

من معلومة صغيرة إلى صورة اقتصادية كاملة

قد تبدو كل معلومة منفردة قليلة القيمة. معرفة أن المستخدم بحث عن هاتف معين لا تبدو ثروة بحد ذاتها، وكذلك معرفة موقعه في لحظة معينة أو نوع الجهاز الذي يستخدمه.

لكن القيمة تظهر عند تجميع هذه الإشارات وتحليلها.

تكرار عمليات البحث يمكن أن يكشف الاهتمامات، وسجل المواقع قد يرسم نمط الحركة، ووقت استخدام التطبيقات يمكن أن يوضح العادات اليومية، بينما تكشف عمليات النقر والمشاهدة عن أنواع المحتوى والمنتجات التي تجذب المستخدم.

اقتصادياً، تكمن أهمية هذه البيانات في قدرتها على تحويل سلوك بشري متفرق إلى أنماط قابلة للتحليل. وكلما زادت البيانات المتاحة، أصبح من الممكن بناء نماذج أكثر دقة لفهم الجمهور وتوقع اهتماماته.

الصلاحيات بوابة البيانات الأوسع

لا تأتي البيانات دائماً من المعلومات التي يكتبها المستخدم بنفسه. جزء مهم منها قد يرتبط بالصلاحيات التي يمنحها للتطبيق.

الوصول إلى الموقع قد يكون منطقياً لتطبيق الملاحة، والوصول إلى الصور ضروري في تطبيق لتحريرها، لكن منح الميكروفون أو جهات الاتصال لتطبيق لا يحتاج إليهما لتقديم وظيفته الأساسية يستحق التوقف عنده.

المشكلة الاقتصادية هنا ليست في وجود الصلاحية بحد ذاتها، وإنما في اتساع كمية البيانات التي يمكن أن تدخل في نموذج الأعمال. فكلما اتسعت دائرة المعلومات المتاحة، زادت قدرة الشركات على تحليل المستخدمين، وإن كانت طريقة استخدام هذه البيانات تختلف بحسب الشركة والخدمة وسياسة الخصوصية.

لماذا يهم ذلك الشركات والمعلنين؟

من منظور اقتصادي، البيانات تساعد على تقليل عدم اليقين. المعلن لا يريد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص فحسب، بل يريد الوصول إلى الأشخاص الأكثر احتمالاً للاهتمام بمنتجه.

وهنا تصبح معرفة الجمهور أصلاً مهماً. فبدل عرض إعلان واحد للجميع، تستطيع المنصات استخدام البيانات والإشارات السلوكية لتقديم محتوى أكثر ارتباطاً باهتمامات مجموعات مختلفة من المستخدمين.

هذا النموذج ساهم في تحويل الإعلانات الرقمية إلى صناعة ضخمة، وجعل البيانات جزءاً من المنافسة بين شركات التكنولوجيا. ولذلك أصبحت الخصوصية اليوم ليست قضية تقنية فقط، بل قضية اقتصادية أيضاً، ترتبط بكيفية توزيع القيمة بين المستخدم والمنصة والمعلن.

أخبار ذات صلة

شعار شركة «أبل» في صورة توضيحية ملتقطة في 25 أغسطس 2025

«أبل» تواجه دعوى بـ2.7 مليار دولار في لندن بسبب قواعد تتبع التطبيقات

حذف التطبيق لا يعني بالضرورة حذف البيانات

هناك اعتقاد شائع بأن حذف التطبيق ينهي العلاقة معه فوراً. لكن إزالة التطبيق من الهاتف لا تعني بالضرورة حذف البيانات التي سبق تخزينها على خوادم الشركة.

قد تبقى معلومات مرتبطة بالحساب أو بتاريخ الاستخدام وفق سياسات الاحتفاظ بالبيانات. ولهذا فإن حذف الحساب أو استخدام خيارات حذف البيانات التي توفرها الخدمة قد يكون أكثر تأثيراً من مجرد إزالة التطبيق.

وهذه النقطة تكشف جانباً مهماً من الاقتصاد الرقمي: البيانات التي ينتجها المستخدم قد تستمر في الوجود بعد انتهاء استخدامه للخدمة، ما لم توجد آلية واضحة لحذفها.

المستخدم أمام معادلة جديدة

لا يعني هذا أن الحل هو التخلي عن التطبيقات المجانية. فالنموذج المجاني أتاح خدمات واسعة لم تكن متاحة بسهولة في السابق، وخفض تكلفة الوصول إلى التكنولوجيا والمعلومات والترفيه.

لكن المعادلة أصبحت تحتاج إلى وعي أكبر. قبل منح أي تطبيق صلاحيات واسعة، من المفيد معرفة سبب حاجته إليها، ومراجعة الأذونات دورياً، وإلغاء ما لم يعد ضرورياً، والاطلاع على سياسة الخصوصية عندما تكون البيانات الحساسة جزءاً من الاستخدام.

في النهاية، قد لا يكون التطبيق المجاني «مجانياً» بالمعنى الاقتصادي الكامل. فالسعر قد لا يظهر على شاشة الدفع، لكنه قد يظهر في قيمة البيانات التي ينتجها المستخدم أثناء استخدام الخدمة.

وفي اقتصاد أصبحت فيه البيانات عنصراً أساسياً في المنافسة والإعلان وتطوير المنتجات، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: كم وفّرت عندما استخدمت التطبيق مجاناً؟ بل أيضاً: ما القيمة التي حصلت عليها الشركة من استخدامي له؟.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف