
تحولت «تقنية التقطير» (Distillation)، التي كانت حتى وقت قريب مصطلحاً تقنياً متداولاً داخل أوساط الباحثين في الذكاء الاصطناعي، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في قطاع التكنولوجيا العالمي. فبعدما كانت تُستخدم كوسيلة لتحسين كفاءة النماذج الذكية وتقليل تكاليف تشغيلها، أصبحت اليوم محور نقاش اقتصادي وسياسي وأمني بين الولايات المتحدة والصين، مع اتهامات متبادلة بسرقة الملكية الفكرية، ومخاوف من تسريع اللحاق الصيني بالشركات الأميركية الرائدة في الذكاء الاصطناعي.
يكشف هذا الجدل عن معركة تتجاوز حدود التكنولوجيا، لتصل إلى المنافسة الاقتصادية العالمية، ومستقبل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وقواعد حماية الابتكار في واحدة من أكثر الصناعات نمواً وربحية.
في وقت سابق من هذا العام، تحدث جيف دين، رئيس علماء الذكاء الاصطناعي في «غوغل»، عن تقنية التقطير. وأوضح أن «غوغل» لجأت إليها أثناء تطوير نماذجها بهدف تحسين أداء أنظمتها دون الاعتماد على نموذج ضخم واحد للتعرف على الصور.
وأشار دين إلى أن تقنية التقطير أصبحت إحدى أهم الأدوات التي تجعل النماذج الصغيرة أكثر كفاءة، لكنها تعتمد في الأساس على وجود نموذج متقدم للغاية يتم استخدام مخرجاته لتدريب النماذج الأصغر وتحسين أدائها.
وبعد خمسة أشهر فقط، انتقلت هذه التقنية من المختبرات إلى صدارة النقاشات في وادي السيليكون وواشنطن، بعدما أصبحت مرتبطة مباشرة بالتنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.
بدأت الأزمة تتصاعد مع إعلان المختبر الصيني (Moonshot AI) عن إطلاق نموذج (Kimi K3). فقد أظهرت الاختبارات الأولية أن النموذج أصبح منافساً قوياً لأفضل نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية التي تطورها شركتا «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».
ويختلف النموذج الصيني عن نظيراته الأميركية بأنه يُطرح كنموذج مفتوح الأوزان (Open-weight)، ما يسمح للمستخدمين بتنزيله وتعديله وتشغيله على بنيتهم التحتية الخاصة، بينما تعتمد الشركات الأميركية الكبرى على نماذج مغلقة يتم الوصول إليها عبر خدمات مدفوعة.
ويرى عدد من المسؤولين الأميركيين أن سرعة تقدم (Moonshot AI) تعود إلى استخدام تقنية التقطير لتدريب نموذجها اعتمادًا على مخرجات نماذج أميركية متقدمة.
اتهم مايكل كراتسيوس، مستشار البيت الأبيض، شركة (Moonshot AI) باستخدام نموذج فابل التابع لشركة أنثروبيك لتطوير Kimi K3 عبر منصة داخلية متطورة أتاحت تنفيذ عمليات تقطير واسعة النطاق ضد النماذج الأميركية، مع تغيير وسائل الوصول باستمرار لتجنب اكتشافها.
تعني تقنية التقطير، بصورة مبسطة، استخدام إجابات روبوتات المحادثة أو مخرجات نموذج ذكاء اصطناعي متقدم لتدريب نموذج آخر، وهو ما يختصر سنوات من البحث ومليارات الدولارات التي استثمرتها الشركات في بناء النماذج الأصلية.
يشبه بوكار هامال، مؤسس شركة (SecurityPal) المتخصصة في أمن الذكاء الاصطناعي، الأمر بطالب اجتهد في حضور المحاضرات وحل الواجبات، ثم جاء طالب آخر لينسخ النتائج النهائية من دون بذل الجهد نفسه.
رغم الاتهامات، اجتمعت كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية في موقف غير مسبوق. فقد أصدرت كل من «إنفيديا»، مايكروسوفت، ميتا وبالانتير إلى جانب أكثر من عشرين شركة أخرى، رسالة مشتركة تدعو صناع القرار إلى تجنب فرض قيود مبكرة على النماذج مفتوحة الأوزان، محذرة من أن مثل هذه القيود قد تحد من المنافسة وتدفع الابتكار إلى خارج الولايات المتحدة.
وأكدت الشركات أن تقنية التقطير تمثل ممارسة واسعة الانتشار تُستخدم لتطوير النماذج وتحسينها والتحقق من أدائها، معتبرة أنها أداة أساسية لتطور صناعة الذكاء الاصطناعي.
يضع هذا الجدل الإدارة الأميركية أمام معادلة معقدة. فمن جهة، ترغب واشنطن في حماية الملكية الفكرية الأميركية ومنع استفادة المنافسين الصينيين والروس من مخرجات النماذج التي استثمرت الشركات الأميركية مليارات الدولارات في تطويرها، ومن جهة أخرى، قد يؤدي تقييد هذه التقنيات إلى إبطاء الابتكار المحلي وتقليل القدرة التنافسية للشركات الأميركية.
ويرى كولين شيا-بلايمير، الباحث في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون، أن الحكومة الأميركية ما زالت تحاول تحديد موقفها النهائي، خاصة مع إمكانية اعتبار استفادة الشركات الأجنبية من مخرجات النماذج الأمريكية ميزة تنافسية غير عادلة.
من جانبه، أكد آرون ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة (Box)، أن الحفاظ على القدرة التنافسية يتطلب تمكين الشركات الأميركية من الوصول إلى أفضل التقنيات المتاحة بغض النظر عن مصدرها، متوقعاً أن تؤدي زيادة الابتكار عالمياً إلى انخفاض تكاليف الذكاء الاصطناعي وارتفاع كفاءته مع مرور الوقت.
ويشير شاشي بيلامكوندا، مدير الأبحاث في (Info-Tech Research Group)، إلى أن التقطير ليس ابتكاراً صينياً، بل تقنية تستخدمها العديد من الشركات العالمية، بما فيها إنفيديا التي استعانت بها أثناء تدريب سلسلة نماذج Llama Nemotron، كما أوضحت في ورقة بحثية مرافقة.
وأضاف أن تدريب نموذج صغير ومنخفض التكلفة اعتماداً على مخرجات نموذج أكبر وأكثر تطوراً يعد ممارسة مشروعة وذات قيمة كبيرة في صناعة الذكاء الاصطناعي.
على الجانب الآخر، تتبنى «أنثروبيك» موقفاً أكثر تشدداً، إذ أعلنت في فبراير أن قدرات نموذج كلود تعرضت لعمليات تقطير على نطاق صناعي من قبل شركات صينية مثل «ديب سيك»، «مون شوت»، و«ميني ماكس»، باستخدام نحو 24 ألف حساب مزيف لتنفيذ ما يقرب من 16 مليون عملية تفاعل مع النموذج.
ترى الشركة، التي تُقدر قيمتها السوقية بنحو تريليون دولار وتخطط لطرح عام أولي في المستقبل القريب، أن وقف عمليات التقطير غير المشروعة يمثل قضية أمن قومي، لأن نماذجها تتضمن آليات تمنع الجهات الحكومية وغير الحكومية من استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة بيولوجية أو تنفيذ هجمات إلكترونية خبيثة.
كما تحظر كل من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» استخدام تقنية التقطير ضمن شروط الخدمة الخاصة بهما، معتبرتين أن استخدام مخرجات نماذجهما دون تصريح قد يشكل انتهاكاً لحقوق الملكية الفكرية.
مع استمرار الارتفاع الكبير في تكاليف تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، يتوقع خبراء أن تواصل الشركات البحث عن وسائل لخفض النفقات وتحسين الكفاءة، حتى لو أثار ذلك جدلاً قانونياً.
ويقول بوكار هامال إنه لا يمانع استخدام نماذج صينية مفتوحة الأوزان مثل Kimi K3 داخل شركته SecurityPal بعد التحقق من خلوها من أي أبواب خلفية ضارة، موضحاً أن تشغيلها على البنية التحتية الخاصة بالشركة قد يوفر مبالغ مالية كبيرة.
ورغم دفاع «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» عن حقوقهما الفكرية، تواجه الشركتان تحدياً قانونياً يتمثل في أنهما اعتمدتا بدورهما على كميات ضخمة من المحتوى المنشور لتدريب نماذجهما، وهو ما أدى إلى رفع دعاوى قضائية ضدهما بتهم انتهاك حقوق النشر.
وبذلك، يتحوّل الجدل حول «التقطير» من مجرد نقاش تقني إلى قضية اقتصادية وقانونية وجيوسياسية ستؤثر في مستقبل المنافسة العالمية، واستثمارات الذكاء الاصطناعي، وشكل الأسواق الرقمية خلال السنوات المقبلة.