
يشهد الأردن تقدماً تدريجياً في التحول الرقمي، لكن محدودية البنية التحتية لمراكز البيانات والخوادم المحلية تمثل عائقاً أمام تطوير الاقتصاد الرقمي بشكل متكامل.
وفي الوقت الذي تتوسع فيه الخدمات الإلكترونية في الحكومة والقطاع الخاص، تبقى القدرة على استضافة البيانات الضخمة وتشغيل الأنظمة المعقدة محدودة، ما يضعف إدارة المعلومات الرقمية ويحد من قدرة البلاد على المنافسة الإقليمية. كما أن ضعف البنية التحتية الحالية يجعل الاعتماد على حلول جزئية أو خارجية أمراً شائعاً، ويحد من قدرة الأردن على جذب استثمارات تعتمد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وفق خبراء.
يمتلك الأردن عدداً محدوداً من مراكز البيانات والخوادم مقارنة بالدول الإقليمية التي استثمرت بكثافة في هذا القطاع. أغلب المنشآت القائمة صغيرة نسبياً وغير مجهزة لاستضافة قواعد بيانات ضخمة أو تشغيل أنظمة معقدة تتطلبها المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى. يشير الخبراء إلى أن غياب بنية قوية للخوادم يحد من سرعة التحول الرقمي ويجعل الأردن أقل قدرة على المنافسة الإقليمية.
ويؤكد قاسم الحموري، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، في تصريح لـ«إرم بزنس» أن غياب السوق المحلية القوية للخوادم يمنع تحويل البيانات إلى أداة استراتيجية للتخطيط واتخاذ القرار، مشدداً على أن أي مشروع لتعزيز الاقتصاد الرقمي يجب أن يبدأ بمنصة مركزية متكاملة مدعومة بخوادم محلية حديثة تضمن الأداء والكفاءة.
ويضيف أن المركز الوطني للبيانات يجب أن يشمل معلومات تفصيلية مثل عدد المتعلمين والتخصصات في كل منطقة وعدد المشاريع القائمة التي تحتاج إلى متابعة، إضافة إلى البيانات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لتخطيط مستدام ودقيق. كما يشير الحموري إلى تجربة مصر كنموذج لبناء قاعدة بيانات وطنية قوية وشاملة يمكن الاستفادة منه.
من جهته، يرى الوزير الأسبق يوسف منصور أن الأردن يمتلك قدرات متقدمة في جمع البيانات، مستشهداً بدائرة الإحصاءات العامة التي تملك قاعدة واسعة تغطي مختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكداً لـ«إرم بزنس» أن المؤسسات لديها أرشيف معلوماتي كبير يمكن الاستفادة منه. لكنه يشدد على أن البيانات المتفرقة لدى كل مؤسسة لا تعوض عن الحاجة إلى بنك معلومات وطني موحد يربط القطاعات المختلفة ويتيح الوصول إلى المعلومات بشكل سريع وموحد، بما يضمن اتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية المبنية على معلومات دقيقة.
يؤكد العاملون في قطاع الشحن البحري الحاجة إلى منصة موحدة تشمل جميع الإجراءات والبيانات، بدلاً من أن تكون كل جهة تحتفظ بمعلوماتها بشكل منفصل. ويشيرون إلى أن غياب قاعدة بيانات شاملة يعقد التخطيط وتحليل الأداء ويحد من فعالية الخدمات الرقمية.
ويظهر التحدي نفسه في قطاع الطرق والمرور، إذ لا تتوفر منصة وطنية تجمع معلومات فورية حول الكثافة المرورية، نقاط الاختناق، الحوادث، وحالة الطرق، ما يجعل معظم القرارات تعتمد على تقديرات ميدانية أو تقارير عامة وليست على بيانات دقيقة ومحدثة. وفي الاقتصاد غير الرسمي والتجارة الصغيرة، تعمل مئات المنشآت الصغيرة خارج السجلات الرسمية، ما يصعب تقدير حجم الاقتصاد الوطني وتقييم السياسات الاقتصادية بشكل صحيح.
تواجه مشاريع بناء مراكز البيانات والخوادم الوطنية عدة عقبات، منها ارتفاع تكاليف الطاقة الذي يزيد من كلفة التشغيل ويحد من الربحية، إضافة إلى محدودية الربط الدولي عالي السرعة الذي يقلل من قدرة المراكز على تقديم خدمات رقمية عالمية المستوى. كما يغيب وجود حوافز ضريبية وتشريعية جاذبة للمستثمرين، ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع أقل جذباً مقارنة بالدول المجاورة التي توفر حوافز قوية وتسهيلات تشريعية.
ويشير الخبراء إلى أن غياب استراتيجية وطنية واضحة وشاملة لمراكز البيانات يعرقل تنسيق الجهود ويحد من قدرة القطاع الخاص على التخطيط طويل المدى، رغم وجود كفاءات بشرية مؤهلة وموقع جغرافي استراتيجي يمكن أن يدعم نمو هذا القطاع. ويؤكد الحموري أن «نجاح أي مركز بيانات يعتمد على وجود بنية آمنة وموحدة للخوادم، لضمان حماية المعلومات الحساسة والحفاظ على السيادة الرقمية، وتحويل البيانات إلى أداة استراتيجية للتنمية المستدامة».
يشدد جميع الأطراف على أن تبني استراتيجية وطنية شاملة لمراكز البيانات وربطها بسوق خوادم محلية متطورة ومركز معلومات وطني موحد هو أكثر من مجرد خيار تقني، بل ضرورة استراتيجية لضمان تحسين التخطيط الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز قدرة الأردن على المنافسة الإقليمية.
تشمل الاستراتيجية المقترحة توحيد البيانات الحكومية وربطها في منصة مركزية قابلة للتحليل والتنبؤ، تحسين بيئة الاستثمار وخفض الكلف التشغيلية، وتعزيز منظومة الأمن السيبراني وربطها بمراكز البيانات الوطنية.
ويؤكد الخبراء أن تنفيذ هذه المنظومة الوطنية ليس خياراً، بل ضرورة لضمان السيادة الرقمية، وتحويل البيانات المتفرقة إلى أداة استراتيجية تدعم التنمية المستدامة وتسهّل اتخاذ القرار الاقتصادي والاجتماعي بشكل دقيق وفعال.