
يشهد العالم اليوم طفرة في توليد الصور ومقاطع الفيديو صنعها الذكاء الاصطناعي، وبرزت معها ظاهرة جديدة تكشف جانباً عبثياً من استخدام هذه التقنيات، فبدلًا من توظيفها في مجالات التعليم أو الإبداع أو تحسين حياة البشر، بات كثيرون يستخدمونها في إنتاج مقاطع ساخرة أو مضلّلة تجتاح منصات التواصل الاجتماعي.
في الأسبوع الماضي، انتشر على منصة «تيك توك» مقطع فيديو يظهر امرأة تدفن كلبها في الثلج على جبل إيفرست بعدما نفق أثناء رحلة شاقة. انهالت التعليقات الغاضبة متهمةً المرأة بالقسوة على الحيوانات، لكن القصة في الواقع لم تحدث أبدا، فالمرأة والكلب والجبل جميعهم نتاج الذكاء الاصطناعي، على الأرجح من خلال أداة الفيديو «سورا 2» التابعة لشركة (OpenAI)، رغم إزالة العلامة المائية من الفيديو. ويبدو أن المشهد بأكمله تم توليده من بضع جمل نصية فقط.
وفي هذا الإطار، حذّر باحثون وخبراء رقميون من حول العالم منذ فترة من خطر الصور ومقاطع الفيديو التي يولّدها الذكاء الاصطناعي بشكل واقعي، إذ يمكن أن تُستخدم لصناعة «التزييف العميق» (Deepfakes) في أغراض خبيثة. إلا أن الانتشار الواسع لهذه التقنيات جعل كثيرين يستخدمونها في أغراض سطحية، مثل المزاح السخيف والمقالب العبثية عبر الإنترنت.
والأمثلة على هذه الظاهرة تعد ولا تحصى. فقد انتشرت بين المراهقين خدعة تُعرف باسم «الرجل المشرد»، حيث يولّدون صورا لرجل تبدو عليه علامات البؤس، ثم يرسلون الصور إلى ذويهم مدّعين أنه دخل منزلهم، ويشاركون لاحقا ردود الفعل المذعورة على وسائل التواصل. على الأثر، أصدرت بعض إدارات الشرطة بيانات تحذّر من هذه الخدعة، واصفةً إياها بـ«الحمقاء والخطيرة».
كما ناشد أبناء شخصيات عامة متوفاة، مثل مارتن لوثر كينغ جونيور وروبن ويليامز، الناس التوقف عن إنتاج مقاطع مصوّرة لذويهم الراحلين. بدورها، أوقفت شركة (OpenAI) بعض هذه المقاطع وأتاحت خياراً للعائلات لطلب استثناء صور أقاربهم المتوفين من الاستخدام.
وفي «تيك توك»، تنتشر مقاطع لحيوانات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مثل أرانب تقفز على ترامبولين أو كلاب تتسبب بكوارث في حفلات الزفاف، والمشكلة أن الكثير من هذه الصور يبدو واقعيًا بما يكفي لإرباك المشاهد ودفعه للتساؤل عمّا إذا كانت حقيقية.
قبل عامين فقط، كانت مقاطع الفيديو المولّدة بالذكاء الاصطناعي ما تزال في مرحلة بدائية، فقد كان بالإمكان حينها إنتاج «تزييف عميق» لشخصيات سياسية مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن إنشاء مقطع كامل بمجرد أمر نصي لم يكن ممكنا بعد. أحد أشهر الأمثلة آنذاك كان فيديو للممثل الأميركي ويل سميث وهو يتناول المعكرونة بطريقة غريبة، الذي بدا غير مقنع وغير طبيعي. أما اليوم، فقد تطورت التقنية بشكل مذهل، وأصبح أي شخص قادراً على إنتاج محتوى بصري متقن في ثوانٍ، بفضل الاستثمارات الضخمة في هذا المجال.
ومع انتشار أدوات مثل «سورا» من (OpenAI) و(Grok) من (X)، تغزو هذه المقاطع المنصات بسرعة، مدعومة بخوارزميات تروّج لما يثير الفضول أو الغضب ومواكبة الترندات فوراً.
لكن هذا الاستخدام السطحي يسلّط الضوء على أزمة أعمق تتعلق بالذكاء الاصطناعي نفسه، وهي غياب الوضوح بشأن الغاية من هذه التقنيات، ما يطرح تساؤلات عن حدود المسؤولية بين الشركات والمستخدمين، وإلى أي مدى يجب أن تحدد المجتمعات القواعد، مقابل ترك الحرية للأفراد في استخدام الأدوات كما يشاؤون؟.
وفي حين تسعى المنصات إلى إبقاء المستخدمين متصلين أطول وقت ممكن، قد تتدهور جودة المحتوى أكثر فأكثر، وكما يصفها بعض الباحثين، العملية هنا هي «سباق نحو القاع» في عالم الإبهار الزائف.
من هنا، يرى خبراء أن هذه الموجة قد تكون موقتة، إذ ينجذب الناس الآن إلى عنصر الحداثة، لكن ذلك لن يدوم طويلاً، فمع مرور الوقت، سيفقد المحتوى المصطنع بريقه، لأن ما يجذب المشاهد في النهاية هو الأصالة والتجارب الحقيقية.