
تدفع الإمارات باستثماراتها في الحوسبة الكمية نحو مرحلة تتجاوز بناء القدرات البحثية إلى البحث عن تطبيقات اقتصادية تمتد إلى قطاعات حيوية، في وقت تتسابق فيه الحكومات عالمياً على امتلاك واحدة من أكثر تقنيات المستقبل تعقيداً.
ويتركز جانب من هذا الرهان في أبوظبي، حيث يعمل «معهد الابتكار التكنولوجي» (TII) على بناء منظومة كمية متكاملة تشمل تصميم المعالجات وتصنيعها وتشغيلها، إلى جانب تطوير البرمجيات والخوارزميات، ضمن توجه إماراتي لبناء قدرات سيادية في التكنولوجيا بدلاً من الاعتماد الكامل على الأنظمة المستوردة.
لكن الانتقال من المختبر إلى السوق لا يزال السؤال الأصعب في هذه الصناعة. وخلال زيارة إلى مختبرات المعهد في أبوظبي، اطلع موقع AGBI على فرق تعمل على تطوير المعالجات والبرمجيات والخوارزميات الكمية، وسألت كبير الباحثين في مركز البحوث الكمية لياندرو أوليتا عن الموعد الذي يمكن فيه للشركات توقع تطبيقات تجارية لهذه التكنولوجيا.
تعكس العبارة حجم الرهان العالمي على القطاع. وتشير أرقام «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) إلى أن الحكومات خصصت نحو 56 مليار دولار لعلوم وتقنيات الكم بين عام 2013 وأكتوبر 2025، مع تسارع المنافسة على امتلاك التكنولوجيا قبل انتقالها إلى نطاق تجاري أوسع.
وقال أوليتا لـ(AGBI) إن «الطرف الذي سيمتلك هذه التكنولوجيا أولاً سيحقق على الأرجح قفزة إلى الأمام»، مضيفاً أن مبالغ كبيرة تتدفق إلى القطاع مع تحوله تدريجياً إلى واقع عملي واقتراب الجداول الزمنية المتوقعة للتطبيقات التجارية.
يضع «معهد الابتكار التكنولوجي» قطاعات الأدوية والكيماويات والمواد المتقدمة بين المرشحين الأوائل للاستفادة اقتصادياً من الحوسبة الكمية.
فقد تسمح المعالجات الكمية بمحاكاة جزيئات يصعب على أجهزة الكمبيوتر التقليدية تمثيلها بدقة، وهو ما يمكن أن يسرّع تطوير أدوية جديدة ومواد قادرة على مقاومة درجات الحرارة المرتفعة ومحفزات تُستخدم في العمليات الصناعية.
ويقدم إنتاج الأمونيا نموذجاً على حجم الفرصة المحتملة. فعملية تثبيت النيتروجين المستخدمة في صناعة الأمونيا اللازمة للأسمدة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، بينما تستحوذ دول مجلس التعاون الخليجي على نحو 6% من الطاقة الإنتاجية العالمية للأمونيا، استناداً إلى بيانات «الاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات».
وقال أوليتا إن النباتات تحول النيتروجين إلى أمونيا بكفاءة مرتفعة، في حين تبقى العملية الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما يجعل محاكاة التفاعلات المرتبطة بها أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد مستقبلاً من قدرات الحوسبة الكمية.
ولا تتوقف التطبيقات المحتملة عند الصناعات الدوائية والكيميائية. ففي جيل لاحق من التكنولوجيا، يمكن استخدام الحوسبة الكمية في التعلم الآلي وحل مسائل التحسين المعقدة في الطاقة والخدمات اللوجستية والتمويل.
ومن الأمثلة التي طرحها أوليتا إعادة تصميم شبكات شركات الطيران بطريقة تخفض استهلاك الوقود والانبعاثات وأوقات انتظار الركاب في آن واحد.
لكن هذه التطبيقات لن تصل بالضرورة سريعاً إلى السوق. وقال أوليتا لـAGBI: «قد نتحدث عن منتصف ثلاثينيات القرن الحالي»، موضحاً أن ذلك سيعتمد على سرعة تقدم أجهزة الحوسبة الكمية وتقنيات تصحيح الأخطاء.

يمثل امتلاك التكنولوجيا نفسها الجزء الآخر من الرهان الإماراتي، إذ يعمل «معهد الابتكار التكنولوجي»، الذراع البحثية التطبيقية لـ«مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة» الذي يرسم استراتيجية البحث والتطوير في أبوظبي، على تطوير القدرة على تصميم وتصنيع وتشغيل رقائق كمية فائقة التوصيل داخل الإمارة.
ويضم «مركز البحوث الكمية» التابع للمعهد فريقاً دولياً من نحو 100 باحث ومتخصص يعملون في الحوسبة والاتصالات والاستشعار الكمي، وهي تقنية تستخدم ميكانيكا الكم لقياس كميات فيزيائية، من بينها المجالات المغناطيسية والجاذبية ودرجة الحرارة والوقت، بدرجات عالية للغاية من الدقة.
تمكن المعهد بالفعل من بناء معالجات تجريبية تضم ما يصل إلى 8 كيوبتات، وهي وحدات المعلومات الأساسية في الحوسبة الكمية، ويستهدف إنتاج شريحة مطورة داخلياً تضم 17 كيوبتاً خلال الربع الأول من 2027.
كما ركّب المعهد معالجاً بقدرة 80 كيوبتاً من شركة «كوانت وير» (QuantWare) الهولندية، ويختبره حالياً لتطوير تقنيات تصحيح الأخطاء الكمية.
وتختلف الكيوبتات عن وحدات المعلومات المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر التقليدية. فبينما يعمل البت التقليدي بقيمة صفر أو واحد، يمكن للكيوبت أن يوجد في تركيبات من الحالات، وهو ما يمنح الحاسوب الكمي طرقاً مختلفة لمعالجة بعض المسائل الحسابية المعقدة.
لا يقتصر العمل في أبوظبي على بناء نماذج تجريبية، إذ دخلت الأجهزة الكمية بالفعل مرحلة الاستخدام البحثي داخل المعهد.
وتضم سحابة البحث والتطوير الداخلية 42 مستخدماً، ونفذت أكثر من 5300 مهمة حتى الآن، بينها أكثر من 2300 مهمة نُفذت على أجهزة كمية.
وقال أوليتا إن فتح الوصول إلى الأجهزة في هذه المرحلة يمثل «عملية تعلم حاسمة»، فيما يعتزم المعهد مستقبلاً السماح لمؤسسات خارجية باستخدام النظام، وإن لم يحدد حتى الآن موعداً لذلك.
ويرتبط هذا المسار بهدف أوسع يتمثل في بناء قاعدة بشرية محلية تستطيع تشغيل وتطوير التكنولوجيا، وليس فقط امتلاك الأجهزة.
ويستقبل المعهد متدربين من جامعات إماراتية ودولية، ينتقل بعضهم لاحقاً إلى أدوار بحثية، كما يتيح لباحثين يعملون في أبوظبي استكمال الدكتوراه من خلال «جامعة السوربون» (Sorbonne University) في باريس.
لا ينظر المعهد إلى الحوسبة الكمية باعتبارها بديلاً لأجهزة الكمبيوتر العملاقة أو الذكاء الاصطناعي، بل تقنية يفترض أن تعمل إلى جانبهما.
فيمكن للحواسيب الكمية مستقبلاً توليد بيانات تستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي المساعدة في اكتشاف الأخطاء داخل المعالجات الكمية وتصحيحها.
وتزداد أهمية هذه العلاقة لأن الأخطاء تمثل حالياً واحدة من أكبر العقبات أمام الاستخدام التجاري للحوسبة الكمية.
فالمعلومات الكمية شديدة الهشاشة، ويمكن لتغيرات طفيفة في البيئة المحيطة بالمعالج أن تؤثر في الحسابات. ولذلك يتركز جزء كبير من البحث الحالي على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها قبل أن تتراكم وتفقد النتائج قيمتها.
وتراهن الصناعة على الوصول إلى أجهزة «متحملة للأخطاء»، تستطيع تصحيح المشكلات أثناء إجراء العمليات الحسابية، وهو تطور أساسي قبل تشغيل تطبيقات واسعة النطاق يمكن للشركات الاعتماد عليها.
ويرى أوليتا أن توقعات الصناعة بإمكانية ظهور هذه الأجهزة في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي «ربما تكون متفائلة، لكنها ليست غير واقعية».
رغم الحذر في تحديد الجدول الزمني، يتوقع أوليتا أن تكون للحوسبة الكمية بحلول 2050 مساهمة في تطوير الأدوية والخدمات اللوجستية والتمويل وخفض الانبعاثات، كما يمكن أن تمتد التطبيقات إلى التعامل مع تغير المناخ.
وتضع هذه الاستخدامات المحتملة الإمارات أمام رهان طويل الأجل: الاستثمار في التكنولوجيا وبناء الكفاءات والقدرة التصنيعية قبل أن يتضح بصورة كاملة أين ستظهر أكبر عوائدها التجارية.
في المقابل، يقر العلماء بأن التدفقات الاستثمارية الضخمة والمنافسة العالمية ترفعان أيضاً خطر المبالغة في الوعود. وحذر أوليتا من أن المنافسة على التمويل يمكن أن تدفع بعض الادعاءات إلى التقدم على الواقع العلمي، قائلاً: «هناك ضجة كبيرة، وهي تساعد على تغذية الاستثمار، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغط لتحقيق النتائج».