
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل مرتبطاً فقط باحتمال اختفاء بعض الوظائف، بل بدأ يطرح سؤالاً آخر: ماذا يحدث للوظائف التي كان الشباب يبدؤون منها مسيرتهم المهنية ويتعلمون من خلالها حتى يصبحوا أصحاب خبرة؟
دراسة جديدة من «آي بي إم» و«أوكسفورد إيكونوميكس»، شملت 8800 موظف في عشرات الدول، أظهرت أن 60% من الموظفين يشعرون بالقلق من أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تآكل مهاراتهم.
ومن بين هؤلاء، قال نحو ثلاثة أرباعهم إنهم لاحظوا بالفعل تراجعاً في بعض مهاراتهم.
تقليدياً، يبدأ الموظف الجديد من مهام بسيطة قبل الانتقال تدريجياً إلى أعمال أكثر تعقيداً.
فالمحاسب الشاب قد يبدأ بمطابقة الفواتير والبيانات، بينما يراجع المحامي المبتدئ العقود والوثائق الأساسية، ويتعلم كلاهما من خلال الممارسة والإشراف قبل تحمل مسؤوليات أكبر.
لكن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على تنفيذ جزء من هذه المهام الأولية، ما يفتح نقاشاً حول تأثير ذلك في المسار الذي يكتسب من خلاله الموظفون الجدد خبراتهم.
بحسب باحثين في جامعة «ستانفورد»، انخفض توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 19% مقارنة بالمستوى المتوقع في المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي.
وأشارت الدراسة إلى أن هذا التأثير ظهر بصورة أساسية في انخفاض التوظيف، وليس من خلال موجة واسعة من تسريح الموظفين.
حللت شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) أكثر من مليار إعلان وظيفة، ووجدت تغيراً في المهارات المطلوبة للوظائف المبتدئة الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي.
وأصبحت هذه الوظائف تطلب بدرجة أكبر مهارات كانت ترتبط تاريخياً بمستويات أعلى من الخبرة، مثل القدرة على الحكم واتخاذ القرارات والقيادة.
وهذا يطرح تحدياً أمام الشركات والموظفين الشباب: إذا تولى الذكاء الاصطناعي بعض المهام التي كان المبتدئون يتعلمون منها، فكيف سيحصل هؤلاء الموظفون على الخبرة التي تؤهلهم لاحقاً لتولي مسؤوليات أكبر؟
قد لا تكون القضية أن الوظائف المبتدئة ستختفي بالكامل، وإنما أن طبيعتها تتغير.
ومع استمرار توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، قد تحتاج الشركات إلى إيجاد طرق جديدة لتدريب الموظفين الجدد ومنحهم الخبرة العملية، بدلاً من الاعتماد فقط على المهام الروتينية التي يمكن للتكنولوجيا تنفيذها.
ويبقى السؤال: إذا اختفت بعض الأعمال التي كان الشباب يتعلمون منها، فمن أين سيأتي أصحاب الخبرة بعد عشر سنوات؟