
قبل بضع سنوات، اندفعت شركات السيارات حول العالم لتوديع محركات الوقود وإعلان الولاء الكامل للكهرباء. «فولفو» و«بنتلي» وعدتا بوقف إنتاج سيارات البنزين بحلول 2030، و«فورد أوروبا» أعلنت أن مستقبلها سيكون كهربائياً بالكامل.
لكن مع مرور الوقت، تبين أن الطريق لم يكن ممهداً كما تخيّلوا، مشاريع أُجّلت، وخطط تأجلت، وأحلام اصطدمت بالواقع. في خضم هذا الحماس الجماعي، كانت هناك شركتان تمسكتا بالعقلانية: بي إم دبليو وتويوتا.
منذ البداية، رفضت بي إم دبليو أن تنجرف خلف الموجة. اعتمدت فلسفة (Power of Choice) التي تمنح المستهلك حرية الاختيار بين البنزين، والهايبرد، والكهرباء، وحتى الهيدروجين. فالشركة تؤمن أن التحول لا يمكن فرضه بقوانين أو جدول زمني موحد، لأن البنية التحتية للشحن ما زالت غير جاهزة في كثير من الأسواق.
الرئيس التنفيذي أوليفر زيبسه انتقد بشدة قرار الاتحاد الأوروبي حظر محركات الوقود في 2035، واصفاً إياه بأنه «قيد غير منطقي» على المستهلك والصناعة. ورغم تحفظه، استثمرت «بي إم دبليو» أكثر من 10 مليارات يورو في مشروع Neue Klasse لتطوير جيل جديد من السيارات الكهربائية مثل iX3 وi3 السيدان وiX5.
لكنها في الوقت ذاته تواصل تطوير محركاتها التقليدية لتتوافق مع معايير Euro 7، مما يؤكد أن الشركة لا تنوي التخلي عن التنوع في خياراتها.
أما تويوتا، فقد بدت أكثر اتزاناً في رؤيتها. منذ إطلاق «بريوس» عام 1997، آمنت بأن التحول إلى الكهرباء يجب أن يكون تدريجياً ومدروساً. نائب رئيسها في أوروبا، أندريا كارلوتشي، أوضح أن الشركة تعمل على محرك جديد يمكن تكييفه مع أي نظام دفع: كهربائي، هجين، أو هيدروجيني.
«تويوتا» أيضاً تستثمر في الوقود الصناعي والوقود الحيوي المحايد للكربون، وتختبر محركات احتراق تعمل بالهيدروجين في طرازات (GR Yaris) و(GR Corolla). أما رئيسها أكيو تويودا، فكان صريحاً عندما قال إن السيارات الكهربائية «لن تتجاوز 30% من السوق العالمية»، وهو تصريح اعتبره كثيرون واقعياً أكثر من كونه متشائماً.
ما فعلته «بي إم دبليو» و«تويوتا» ليس مقاومة للتغيير، بل إدارة ذكية له. فبينما غيّرت شركات أخرى استراتيجياتها جذرياً واضطرت لاحقاً لتصحيح المسار، حافظت الشركتان على توازن يجعلهما اليوم في موقع قوة. «بورشه» مثلاً أعادت تطوير طراز «ماكان» بمحرك تقليدي بعدما كانت خططها كهربائية بالكامل، وفعلت الأمر نفسه مع «718 بوكستر» و"كايمان"، وهي خطوات مكلفة لم تكن ضرورية لو كان النهج أكثر واقعية منذ البداية.
رغم أن مبيعات السيارات الكهربائية تواصل النمو، إلا أن وتيرتها أقل من المتوقع. بحسب وكالة الطاقة الدولية (IEA)، ارتفعت المبيعات في 2024 بنسبة 25% لتتجاوز 17 مليون سيارة، ومن المتوقع أن تصل إلى 20 مليوناً في 2025. لكن الفوارق الإقليمية كبيرة: ففي النرويج تمثل السيارات الكهربائية 89% من المبيعات الجديدة، بينما لا تتجاوز 9% في الولايات المتحدة. هذه التباينات تؤكد أن التحول إلى الكهرباء ليس مساراً عالمياً موحداً، بل يعتمد على البنية التحتية والقدرة الشرائية والدعم الحكومي.
في النهاية، أثبتت «بي إم دبليو» و«تويوتا» أن النجاح في التحول نحو المستقبل لا يتحقق بالاندفاع، بل بالفهم الدقيق لإيقاع السوق. فبينما انشغلت الشركات المنافسة بالوعود والعناوين، التزمت هاتان الشركتان بخطة متوازنة تُراعي الواقع وتستثمر في المستقبل دون أن تقطع صلتها بالحاضر.
ربما لم يكن الحذر تراجعاً.. بل كان الذكاء الحقيقي في زمن الاندفاع.