
في زمن تتسارع فيه ابتكارات السيارات وتزداد مستويات الرفاهية، تفاجئنا بعض الشركات بحذف مكونات كانت تُعتبر من أساسيات الراحة، أبرزها مسند الذراع الوسطي. هذه القطعة الصغيرة التي لم نكن نلتفت إليها كثيراً، بات غيابها يثير استياء السائقين، خصوصاً في السيارات الرياضية أو تلك التي تُسوّق على أنها «عملية للاستخدام اليومي».
تبرر بعض الشركات غياب المسند بأنه يمنح المقصورة إحساساً بالرحابة، خصوصاً في سيارات الكوبيه أو الهاتشباك الصغيرة. ويستشهد البعض بتجارب مثل «Mazda Miata» التي تعطي انطباعاً «كلاسيكياً بريطانياً» بفضل تصميمها البسيط.
لكن هذه الحجة لا تصمد أمام الواقع؛ فسيارات كبيرة مثل «Toyota Sienna» توفر مساند ضخمة من دون أن ينتقص ذلك من اتساعها أو راحة ركابها. وبالتالي، يبدو أن الحديث عن «زيادة المساحة» لا يفسر وحده هذا التوجه.
في سيارات الـSUV والكهربائية على وجه الخصوص، تتجه الشركات لاستبدال الصناديق المغلقة برفوف مفتوحة. صحيح أن هذه الفتحات مفيدة لوضع حقيبة أو كاميرا، لكنها تفقد عنصر الأمان والخصوصية. ومع غياب إمكانية القفل، يصبح ترك المقتنيات مكشوفة مخاطرة حقيقية في المدن.
حتى عندما تقدم طرازات مثل «Hyundai IONIQ 5» حلولاً بديلة مثل جيوب خلفية للمقاعد، فإنها تبقى جزئية ولا تغني عن التخزين التقليدي. الأهم هنا أن هذه البدائل تُنتج بكلفة أقل، ما يعزز ربح الشركات على حساب راحة المستهلك.
يُقال إن إزالة المسند في السيارات اليدوية يسهل التنقل بين التروس ويمنع اصطدام الكوع أثناء القيادة. لكن عند التجربة الطويلة، تظهر السلبيات سريعاً.
قيادة «Subaru WRX» لمدة تتجاوز 5 ساعات كشفت أن غياب المسند يسبب آلاماً جسدية، ويجعل السيارة تبدو مصممة للحلبة أكثر من الحياة اليومية، رغم أن سعرها يقترب من 50 ألف دولار. هنا يظهر التناقض: تكلفة مرتفعة لكن مع غياب أبسط مقومات الراحة.
وراء كل هذه التبريرات، يظل العامل الاقتصادي هو الأوضح. فكل عنصر يتم حذفه يقلل من كلفة الإنتاج ويرفع هامش الربح. المسند الوسطي ليس استثناءً، بل ضحية حسابات مالية تضع مصلحة الشركة قبل راحة المستخدم.
حتى الحجة المتعلقة بسلامة الوسائد الهوائية لا تصمد أمام الواقع, فاختبارات IIHS و NHTSA أثبتت أن كثيراً من السيارات المزودة بمساند وسطية حققت أعلى معدلات الأمان.
الجواب يرتبط بوعي المستهلك. في السيارات المخصصة للحلبات أو المسافات القصيرة، قد يمر غياب المسند مرور الكرام. لكن في السيارات اليومية، يصبح نقصه دليلاً على أن الشركات تضحي بالوظائف العملية في سبيل تعظيم أرباحها.
ومع ارتفاع أسعار السيارات بشكل متواصل، ربما آن الأوان لأن يطالب المستهلكون بمقاربة أكثر توازناً، حيث لا تُباع الراحة كخيار إضافي، بل تُعتبر جزءاً أساسياً من القيمة التي يدفع ثمنها.