logo
سيارات

«بي إم دبليو» تحذر: حظر محركات الوقود قد يدمّر الصناعة الأوروبية

«بي إم دبليو» تحذر: حظر محركات الوقود قد يدمّر الصناعة الأوروبية
محركات وقود في جناح شركة صناعة السيارات الألمانية (BMW) في فرانكفورت غربي ألمانيا.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

منذ أن أعلن الاتحاد الأوروبي عن خططه لحظر بيع سيارات محركات الوقود بحلول عام 2035، تتصاعد حدة الجدل بين صانعي السيارات في القارة، وبينما اختارت بعض الشركات الكبرى مثل «أودي» و«مرسيدس» و«فولفو» تبنّي توجهات كهربائية صارمة في السنوات الأخيرة، فإن «بي إم دبليو» سلكت مساراً مختلفاً، قائماً على إتاحة حرية الاختيار للمستهلك وعدم فرض انتقال قسري نحو السيارات الكهربائية.

هذه الفلسفة لم تأتِ من فراغ، إذ ترى الشركة البافارية أن المستقبل سيشهد طلباً متوازناً بين السيارات التقليدية والكهربائية حتى عام 2030، وأن أي حظر شامل يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على الصناعة الأوروبية برمتها.

يواخيم بوست، مدير التكنولوجيا في «بي إم دبليو»، عبّر بوضوح عن هذا القلق في مقابلة مع مجلة (CarExpert) الأسترالية، حيث قال إن القرار في نهاية المطاف يجب أن يكون بيد العميل لا السياسيين، وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يتجاهل أسئلة جوهرية مثل مدى جاهزية البنية التحتية للشحن الكهربائي وأسعار الطاقة في المستقبل، وبلهجة حادة حذّر من أن هذا النهج قد يؤدي إلى «قتل صناعة كاملة» إذا تم فرضه دون مراعاة واقع السوق.

هذه التصريحات لم تأتِ بمعزل، إذ يشاركها قادة آخرون في الصناعة، مثل الرئيس التنفيذي لمرسيدس «أولا كالينيوس»، الذي ذهب أبعد حين اعتبر أن أوروبا «تتجه بسرعة نحو الاصطدام بجدار» قد يؤدي إلى انهيار القطاع ما لم يتم إعادة النظر في الخطة.

البعد الاقتصادي للقضية لا يقل أهمية عن الجوانب التقنية، قطاع محركات الوقود يشكّل حتى اليوم مصدراً أساسياً للوظائف ولمليارات اليوروهات من العوائد لشركات مثل «بي إم دبليو» و«مرسيدس»، فضلاً عن آلاف الموردين الأوروبيين مثل «بوش» و(ZF) و«كونتيننتال»، الذين يعتمدون بشكل كبير على مكونات المحركات التقليدية، حظر شامل وسريع قد يعني فقدان مئات الآلاف من الوظائف، وارتفاع أسعار السيارات نتيجة تكاليف التطوير الضخمة المرتبطة بالبطاريات والتكنولوجيا الكهربائية.

إضافة إلى ذلك، تشير الأرقام إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية في الاتحاد الأوروبي لم تتجاوز 15.6% من إجمالي المبيعات في الأشهر الثمانية الأولى من العام، لترتفع إلى 17.4% فقط عند احتساب بريطانيا ودول الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، هذه الأرقام تعكس فجوة كبيرة بين الطموحات السياسية والواقع التجاري، وتجعل التحذيرات أكثر واقعية.

إحدى موظفات (BMW) وهي تربط (BMW i3) الكهربائية بنقطة شحن في لندن.
إحدى موظفات (BMW) وهي تربط (BMW i3) الكهربائية بنقطة شحن في لندن. المصدر: (أ ف ب)

ولا يقتصر التحدي على الداخل الأوروبي، إذ إن المنافسة العالمية تفرض نفسها بقوة. الصين، التي باتت تهيمن على صناعة البطاريات، تملك اليد الطولى في حال أصرّت أوروبا على التحول السريع نحو الكهرباء، ما قد يضع الشركات الأوروبية في موقع ضعيف أمام منافسين آسيويين أقل كلفة وأكثر مرونة، وفي المقابل، تتبع الولايات المتحدة نهجاً أكثر مرونة في تنظيم التحول، ما يمنح شركات مثل تسلا أو فورد مساحة للتكيّف التدريجي دون أن تتحمل السوق أو المستهلك صدمات حادة.

من الناحية التكنولوجية، ترى شركات عدة أن الحل لا يكمن في القطيعة التامة مع محركات الاحتراق، بل في حلول هجينة وابتكارات بديلة، الوقود الاصطناعي (E-Fuels) مثلاً، الذي تراهن عليه «بورشه»، قد يمدّد عمر محركات الوقود مع خفض الانبعاثات بشكل ملموس، كما أن السيارات الهجينة تشكل خياراً واقعياً للأسر التي لا تستطيع الاعتماد كلياً على البنية التحتية المحدودة للشحن.

أما على صعيد المستهلك، فإن التقبّل الاجتماعي للتحول الكامل لا يزال بعيداً عن النضج، خاصة في المناطق الريفية التي تفتقر إلى محطات شحن كافية، ما يجعل فرض الحظر مسألة سياسية أكثر من كونها استجابة طبيعية لاحتياجات السوق.

تاريخ «بي إم دبليو» ذاته يعكس تمسّك الشركة بهويتها، فحرف (M) في شعارها الشهير يعني «المحركات»، وهي ليست مستعدة للتخلي عن هذا الإرث بسهولة، الشركة تواصل تقديم طيف واسع من المحركات، من 3 أسطوانات وصولاً إلى محركات V12 لـ«رولز رويس»، ولا تزال تبيع محركاتها لشركات أخرى مثل «تويوتا» و«لاند روفر».

وفي الوقت الذي يكتسب فيه أسطولها الكهربائي زخماً، يبقى قطاع محركات الوقود مربحاً إلى درجة تجعل أي حظر مستقبلي تهديداً مباشراً لميزانيتها ومكانتها في السوق الأوروبية، حيث باعت المجموعة مع ميني نحو نصف مليون سيارة في النصف الأول من العام وحده، متفوقة على أسواق آسيا والولايات المتحدة.

الضغط يتصاعد على بروكسل لإعادة النظر في القرار، ومع أن الاتحاد الأوروبي أعاد التأكيد على خططه في مارس الماضي، إلا أن الحظر لم يصبح بعد أمراً محسوماً، مراجعة جديدة مقررة خلال الفترة المقبلة قد تحدد مصير محركات الوقود في أوروبا، وسط تحذيرات متكررة من شركات السيارات بأن المضي قدماً دون تعديل قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية هائلة، وإلى اهتزاز مكانة أوروبا كأحد أعمدة صناعة السيارات العالمية.

وفي هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن المستقبل لن يتحدد فقط في مصانع ميونيخ وشتوتغارت، بل في أروقة الاتحاد الأوروبي، حيث ستصنع القرارات التي قد تعيد رسم خريطة الصناعة لعقود قادمة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف