
سجّل نشاط الاندماج والاستحواذ العالمي زخماً قوياً خلال الربع الأول من العام، مدفوعاً بصفقات ضخمة عكست استمرار شهية الشركات للتوسع عبر الاستحواذات، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية والتقلبات القطاعية، لا سيما في التكنولوجيا.
وبحسب ما أوره تقرير صحيفة «فايننشال تايمز» نقلاً عن بيانات مجموعة بورصات لندن(LSEG) ، تم الاتفاق على 22 صفقة تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهو أعلى مستوى فصلي على الإطلاق، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 21 صفقة والمسجل في الربع الرابع من العام 2015، وأسهم ذلك في دفع إجمالي قيمة الصفقات العالمية إلى 1.2 تريليون دولار، ليسجل القطاع ثالث ربع سنوي متتالٍ تتجاوز فيه الصفقات مستوى التريليون دولار.
وتعكس هذه الأرقام نشاطاً مكثفاً في السوق، إذ أشار فيكتور سابيجنيكوف، رئيس صفقات الاندماج والاستحواذ للشركات العامة في «دي إل إيه بايبر»، إلى غياب ما وصفه بعقلية العزوف عن المخاطر التي ظهرت عقب إعلان الرسوم الجمركية من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أبريل الماضي.
وشهد شهر مارس زخماً لافتاً مع إبرام سلسلة من الصفقات الكبرى، حيث وافقت شركة «يونيليفر» على بيع وحدة الأغذية التابعة لها إلى «ماكورميك»، في صفقة ستؤدي إلى إنشاء كيان بقيمة مؤسسية تقارب 66 مليار دولار.
كما أعلنت كل من «إيلي ليلي» و«بيوجين» عن صفقات استحواذ في قطاع التكنولوجيا الحيوية تتجاوز قيمة كل منها 5 مليارات دولار، وفي صفقة منفصلة، اتفقت شركة «سيسكو» على شراء «جيترو ريستورانت ديبوت» مقابل 29 مليار دولار.
واستحوذت الولايات المتحدة على الحصة الأكبر من النشاط، حيث بلغت قيمة الصفقات 629.8 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، وهو مستوى يقل بشكل طفيف عن 630 مليار دولار المسجل في الفترة نفسها من العام 2021، التي مثّلت ذروة موجة صفقات مدفوعة بتداعيات جائحة كورونا.
وجاء هذا النشاط القوي رغم بيئة معقدة، إذ ساهمت العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في إيران في دفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، إلى جانب استمرار القلق بشأن تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على شركات البرمجيات، وانكشاف قطاع الائتمان الخاص على هذه الصناعة.
وفي هذا السياق، قال جورج سامباس، الشريك المشارك في رئاسة قسم الاندماج والاستحواذ لدى شركة «غيبسون دان»، إن مجالس الإدارات باتت تضغط على فرق الإدارة للتحرك، في ظل تسارع المنافسين لإبرام الصفقات، مضيفاً أن الرؤساء التنفيذيين، رغم تراجع تفاؤلهم مقارنة بالأشهر السابقة، ما زالوا يرون بيئة تنظيمية داعمة للصفقات الكبرى في الولايات المتحدة.
وشملت الصفقات البارزة الأخرى خلال الربع اتفاق «غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز» و«إي كيو تي» على الاستحواذ على شركة «إيه إي إس» في صفقة بقيمة 33 مليار دولار، إلى جانب اندماج «ديفون إنرجي» و«كوتيرا إنرجي» لتأسيس شركة حفر صخري بقيمة تقارب 60 مليار دولار، إضافة إلى اندماج شركتي التأمين «إكويتابل» و«كوربريدج» عبر صفقة تبادل أسهم.
ورغم هذا الزخم، لا تزال المخاطر قائمة، إذ لم تنعكس بعد تداعيات ارتفاع أسعار الوقود المرتبطة بتوترات الشرق الأوسط بشكل كامل على الاقتصاد العالمي، كما أن التقلبات في أسواق الائتمان الخاص قد تعقّد عمليات تمويل الصفقات مستقبلاً.
كما سجّل نشاط صناديق الاستثمار الخاص تراجعاً، حيث انخفض عدد الصفقات المدعومة منها بنسبة 12% إلى أدنى مستوى في ست سنوات، رغم وصول إجمالي قيمتها إلى 314 مليار دولار عالمياً خلال الربع الأول، في ظل استمرار تراكم الشركات غير المباعة ضمن محافظ هذه الصناديق.
من جانبه، قال إريك ويدل، الشريك في شركة «بول وايس»، إن الصفقات الحالية تتسم بكونها انتهازية ومدفوعة بعمليات إستراتيجية كبيرة، فيما لا يزال نشاط صناديق الاستثمار الخاص مستمراً ولكن بوتيرة أكثر انتقائية.
وخارج الولايات المتحدة، شهدت أوروبا ارتفاعاً ملحوظاً في نشاط الصفقات، حيث قفزت القيم بنسبة 82% لتصل إلى 307 مليارات دولار، ومن أبرز هذه الصفقات بيع شركة إدارة الأصول البريطانية «شرودرز» مقابل 9.9 مليار جنيه إسترليني إلى شركة «نوفين» الأميركية، في حين ارتفعت الصفقات العابرة للحدود بنسبة 47%.
بدوره، أشار أوليفر لازنبي، الشريك في «فريشفيلدز»، إلى أن تقلبات الأسواق المرتبطة بصراع الشرق الأوسط قد تفتح المجال أمام صفقات عند تقييمات منخفضة نسبياً، ما قد يدفع بعض الشركات إلى تسريع تنفيذ خططها.
وفيما قد يدعم أي انفراج في التوترات الجيوسياسية مزيداً من النشاط، فإن ضعف أسهم شركات التكنولوجيا،القطاع الأكبر عادة في صفقات الاندماج والاستحواذ، قد يحد من الزخم العام للسوق.
وقال غييرمو بايغوال، الرئيس المشارك لعمليات الاندماج والاستحواذ في «سيتي غروب»، إن التوقعات لعام 2026 تبدو إيجابية بشكل عام، إلا أن تباطؤ قطاع التكنولوجيا قد يجعل من الصعب تجاوز مستويات النشاط القياسية المسجلة في العام 2025.