«بيتكوين» تتراجع 50% من ذروتها التاريخية

عادت شركة «ستراتيجي» إلى شراء «بيتكوين»، إذ استحوذت على 1550 «بيتكوين» مقابل نحو 101 مليون دولار، في أول عملية شراء منذ صفقة البيع المثيرة للجدل التي نفذتها الشركة أخيراً، وأثارت قلق المستثمرين والمحللين بشأن استقرار نموذجها التمويلي.
أكد الرئيس التنفيذي مايكل سايلور عملية الشراء عبر منشور على منصة «إكس»، موضحاً أن إجمالي احتياطي الشركة من «بيتكوين» ارتفع إلى 845256 عملة، تم شراؤها مقابل ما يقارب 64 مليار دولار، بمتوسط سعر يبلغ 75680 دولاراً للعملة الواحدة.
تم شراء الشريحة الأخيرة بمتوسط سعر بلغ 65332 دولاراً لـ«بيتكوين»، أي أقل بنحو 10 آلاف دولار من متوسط تكلفة الشركة، ما يعني أن المركز الكامل يحمل خسائر دفترية ضمنية تقارب 10.5 مليار دولار بالأسعار الحالية.
وجرى تمويل عملية الاستحواذ عبر بيع أسهم عادية من الفئة «A» في السوق، بعدما باعت الشركة 1.409 مليون من أسهم «MSTR» الأسبوع الماضي، محققة نحو 181 مليون دولار.
كما تم تخصيص جزء من العائدات لتمويل شراء «بيتكوين»، بينما أسهم الجزء المتبقي في رفع الاحتياطيات النقدية بالدولار من 900 مليون دولار إلى مليار دولار، وهي خطوة يرى محللون أنها ضرورية لاستعادة ثقة المؤسسات.
تأتي عودة «ستراتيجي» إلى الشراء بعد فترة مضطربة، إذ كشفت الشركة في الأول من يونيو عن بيع 32 «بيتكوين» بين 26 و31 مايو مقابل نحو 2.5 مليون دولار، في أول عملية بيع منذ أواخر عام 2022.
رغم صغر حجم الصفقة، فإن الإعلان عنها أثار قلق الأسواق، إذ كان سعر «بيتكوين» يتداول قرب 73700 دولار قبل الكشف عن العملية، ثم هبط بنحو 20% ليسجل أدنى مستوى قرب 59300 دولار، قبل أن يتعافى فوق 63 ألف دولار مع بداية عطلة نهاية الأسبوع.
ومع محدودية الكمية المبيعة مقارنة بإجمالي حيازات الشركة، فإن السوق تعامل مع الخطوة باعتبارها كسراً لقاعدة غير معلنة، مفادها أن «ستراتيجي» لا تبيع «بيتكوين» تحت أي ظرف.
كذلك أشار بنك «جيه بي مورغان» إلى أن فاتورة توزيعات الأرباح السنوية لشركة «ستراتيجي»، والبالغة نحو 1.7 مليار دولار، أصبحت عاملاً مؤثراً في سوق العملات المشفرة خلال النصف الثاني من عام 2026.
وصف محللو «جيه بي مورغان» عملية البيع بأنها رمزية وطوعية، لكنهم أكدوا أنها أثارت قلق الأسواق على أي حال، وقالوا: «بعد موافقة (ستراتيجي) على سداد سندات قابلة للتحويل بقيمة 1.5 مليار دولار، ذات فائدة صفرية والمستحقة في 2029، بسعر يقارب 92 سنتاً للدولار، لم تغطِ احتياطيات الدولار سوى نحو 6.3 أشهر من مدفوعات توزيعات الأسهم الممتازة، ما أثار تساؤلات حول الوضع المالي للشركة».
كانت أسهم «STRC» الممتازة الوسيلة الرئيسية لتجميع «بيتكوين» خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن تداولها دون قيمتها الاسمية البالغة 100 دولار منذ منتصف مايو أدى فعلياً إلى إضعاف فاعليتها كأداة تمويل، ما دفع الشركة للاعتماد على إصدار الأسهم العادية في عملية الشراء الأخيرة.
تمتلك «ستراتيجي» أكثر من 4% من الحد الأقصى الثابت لإمدادات «بيتكوين» البالغ 21 مليون وحدة، وهو مستوى يفوق بفارق كبير أي شركة أخرى تمتلك العملة المشفرة.
ويرى محللون أن استمرار تركز كميات ضخمة من «بيتكوين» لدى شركة واحدة يزيد حساسية السوق تجاه أي تحركات مفاجئة من جانبها، إذ أصبحت قرارات «ستراتيجي» تؤثر بشكل مباشر على معنويات المستثمرين والتدفقات المؤسسية
قال محللو «جيه بي مورغان» إن «ستراتيجي» قد تحتاج إلى تعزيز احتياطياتها النقدية بالدولار لتخفيف المخاوف المرتبطة بأي مبيعات مستقبلية محتملة لـ«بيتكوين» بهدف تغطية التزامات توزيعات الأرباح.
ولا يتوقع البنك أن تتراجع الشركة عن استراتيجيتها القائمة على شراء «بيتكوين»، إذ تشير التقديرات إلى أن مشترياتها قد تصل إلى 32 مليار دولار خلال عام 2026، ما يعني أن عملية البيع الأخيرة تُعد استثناءً لا بداية لاتجاه جديد.
يتمثل الاختبار الأهم خلال الفترة المقبلة في كيفية تمويل توزيعات الأرباح المقبلة، إذ إن اعتماد الشركة على السيولة النقدية أو زيادات رأس المال قد يخفف المخاوف المتعلقة ببيع مزيد من «بيتكوين».
كما أكد المحللون: «إذا عادت الشركة إلى السوق عبر بيع مزيد من (بيتكوين)، حتى وإن كانت الكميات محدودة، فمن المتوقع أن يعود التدقيق مجدداً في النموذج الذي جعل (ستراتيجي) أكبر شركة مالكة للعملة المشفرة».
يرى محللون أن التحركات الأخيرة تعيد إلى الأذهان موجات البيع الحادة التي شهدتها «بيتكوين» في دورات التشديد النقدي السابقة، حين كانت الأصول عالية المخاطر أول المتضررين من ارتفاع العوائد الأميركية.
وخسرت صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بـ«بيتكوين» نحو 1.7 مليار دولار خلال أسبوع، وتصدر صندوق «IBIT» التابع لشركة «بلاك روك» قائمة الصناديق الأكثر تعرضاً للتدفقات الخارجة، وسط تصاعد المخاوف المرتبطة بأسعار الفائدة.
أشار رئيس قسم الأبحاث في «معهد بيترو» أندري فوزان أدزيما إلى أن تقرير الوظائف الأميركية لشهر مايو 2026 كان المحفز الرئيسي وراء التحركات الأخيرة.
وأظهرت البيانات قوة سوق العمل الأميركي بأكثر من المتوقع، ما قلل رهانات خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي على المدى القصير.
نتيجة لذلك، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما عزز جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بـ«بيتكوين» التي لا تدر عائداً.
كما عززت التدفقات الخارجة الأسبوعية اتجاهاً بدأ يتشكل في مايو، عندما سجلت صناديق «بيتكوين» الفورية الأميركية تدفقات خارجة صافية بلغت 2.43 مليار دولار.
ازداد الضغط أيضاً مع التحول الواسع نحو تجنب المخاطر، مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية الكلية، وهو ما امتد إلى الأصول الرقمية وأسهم الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا وحتى الذهب.
ويرى محللون أن الارتفاع المحدود الأخير يعكس حالة بيع مفرط فنية، وليس تحولاً جوهرياً في البيئة الاقتصادية الكلية التي دفعت «بيتكوين» إلى خسارة نحو 15% خلال الأسبوع السابق.
بين ضغوط الفائدة الأميركية وتراجع شهية المؤسسات، تبدو «بيتكوين» أمام اختبار حساس، إذ لم يعد السوق يراقب تحركات الاحتياطي الفيدرالي فقط، بل أصبح يتابع أيضاً قرارات «ستراتيجي» باعتبارها عاملاً قادراً على إشعال موجات صعود أو ذعر جديدة في سوق العملات المشفرة.