logo
عملات رقمية

هل تنجح الصين في كسر هيمنة الدولار عبر عملات مستقرة مقومة باليوان؟

هل تنجح الصين في كسر هيمنة الدولار عبر عملات مستقرة مقومة باليوان؟
موظفون أمام مكتب صرف عملات «بيتكوين» في هونغ كونغ، يوم 27 نوفمبر 2024المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يتسارع الاهتمام العالمي بالعملات المستقرة من واشنطن إلى بكين، في وقت تتسابق الحكومات والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا على تحديد موقعها في النظام المالي الجديد، وفقاً لتقرير حديث لـ«المجلس الأطلسي».

فبعد نحو شهر من توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على «القانون العبقري» (Act GENIUS)، أول تشريع فيدرالي ينظم العملات المشفرة المستقرة المدعومة بالدولار الأميركي، توقع محللون أن يقفز المعروض من هذه العملات إلى ما بين 1.6 و3.7 تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتشير البيانات إلى أن أكثر من 98% من العملات المستقرة المتداولة حالياً مقومة بالدولار، ومدعومة بأصول تشمل النقد وأذونات الخزانة الأميركية واتفاقيات إعادة الشراء.

أخبار ذات صلة

شعار شركة «ديب سيك» الصينية الناشئة للذكاء الاصطناعي.

سباق الذكاء الاصطناعي.. الصين تتطلع للحد من هيمنة التطبيقات الأميركية

مشهد جديد في الولايات المتحدة

بعد سنوات من هيمنة عدد محدود من المُصدرين، يشهد القطاع الأميركي تحولاً سريعاً. فقد أطلقت ولاية وايومنغ عملتها المستقرة الخاصة مؤخراً، فيما دخلت مؤسسات مالية كبرى على الخط؛ حيث أطلق بنك «جيه بي مورغان» (JPMorgan) عملة «جي بي إم دي» (JPMD) الموجهة للاستخدام المؤسسي.

كما يدرس عملاقا التجارة الإلكترونية «وولمارت» (Walmart) و«أمازون» (Amazon) إصدار عملاتهما المستقرة، في خطوة تهدف إلى توسيع استخدامها من المدفوعات إلى الادخار وبرامج المكافآت.

ويستعيد هذا التوجه تجربة تطبيق «ستاربكس» (Starbucks)، الذي عُدّ نموذجاً ناجحاً للمحافظ الرقمية المغلقة. وفي السياق ذاته، تعزز المؤسسات المالية شراكاتها لإطلاق منتجات مرتبطة بأذونات الخزانة المُرمّزة وصناديق أسواق المال، في حين يتيح الإطار التنظيمي الأوضح للمصارف وشركات التكنولوجيا المالية توسيع أنشطتها في الحفظ وإدارة الاحتياطيات ودمج العملات المستقرة ضمن نماذج أعمالها.

تحوّل السياسة في بكين

لم يقتصر الزخم على الولايات المتحدة. ففي يونيو، صرّح بان غونغ شنغ، محافظ «بنك الشعب الصيني» (PBoC)، بأن العملات المستقرة، إلى جانب «العملات الرقمية للبنوك المركزية» (CBDCs)، يمكن أن تسهم في المدفوعات العابرة للحدود وصياغة النظام المالي المستقبلي، في تحول لافت عن موقف بكين السابق المتشدد تجاه الأصول الرقمية الخاصة.

وفي مايو 2025، أنهت هونغ كونغ مشاورات دامت عامين وأطلقت إطارها التنظيمي للعملات المستقرة، الذي دخل حيز التنفيذ هذا الشهر. وتشير تقارير إلى أن أكثر من 40 شركة تقدمت بطلبات ترخيص، على أن تمنح «سلطة النقد في هونغ كونغ» (HKMA) التراخيص في البداية لعدد محدود يركز على «التطبيقات الموجهة للتعامل بين الشركات» (B2B).

وتسعى شركات التجارة الإلكترونية الصينية مثل «جيه دي دوت كوم» (JD.com) و«علي بابا» (Alibaba) إلى دخول السوق، إذ شاركت الأولى في تجارب بيئة الاختبار التنظيمية. وتركزت الاختبارات حتى الآن على عملات مستقرة مقومة بالدولار الأميركي أو الدولار الهونغ كونغي (HKD)، المرتبط بالدولار منذ عام 1983.

بالتوازي، تستكشف شركات صينية ومؤسسات مملوكة للدولة إصدار عملات مستقرة مدعومة بـ«اليوان»، في وقت تجري فيه الصين أكبر تجربة على عملتها الرقمية السيادية «اليوان الرقمي» (e-CNY) المتداول حالياً بما قيمته سبعة تريليونات يوان.

جدوى العملة المستقرة المدعومة باليوان

أشار التقرير إلى أن الدوافع وراء استراتيجية اليوان المستقر ليست واضحة تماماً. فاليوان الرقمي الصيني يواجه بالفعل منافسة قوية من محافظ الدفع الخاصة مثل «علي باي» (Alipay)، و«ويتشات باي» (WeChat Pay)، اللتين تستحوذان على أكثر من 90% من المدفوعات الاستهلاكية في السوق المحلية، ما يقلل فرص نجاح عملة مستقرة موجهة للأفراد.

كما أن دخول شركات حكومية أو تكنولوجية كبرى على خط الإصدار قد يطمس الحدود بين العملة الرقمية للبنك المركزي والعملات المستقرة الخاصة، بما يثير المخاوف ذاتها المتعلقة بالخصوصية والرقابة.

جزء من اهتمام بكين يعود إلى قلقها من العملات المستقرة المقومة بالدولار، والتي تُستخدم عالمياً لتوفير السيولة في أسواق الأصول المشفرة، ولادخار الدولار، وتحويل الأموال عبر الحدود، وهي أنشطة يمكن أن تؤدي إلى تدفقات رأسمالية خارجة.

ورغم أن التشريعات الصينية حدّت من انتشار هذه العملات داخلياً، ترى السلطات أن العملات المستقرة المقومة باليوان أو الدولار الهونغ كونغي يمكن أن تصبح أداة لإدارة المدفوعات الإقليمية وضبط حركة رؤوس الأموال.

مواجهة هيمنة الدولار أم لا؟

يقف خلف هذه الخطط بُعد جيوسياسي أوسع يرتبط بالمنافسة مع الولايات المتحدة، إذ أكد بعض المحللين أن العملات المستقرة المقومة باليوان قد تسهم في تدويل العملة الصينية وتعزيز نظام نقدي متعدد الأقطاب.

لكن التحديات كبيرة، فالعملات المستقرة تُستخدم أساساً في أسواق الأصول المشفرة، حيث تُعد العملات المرتبطة بالدولار الخيار الموثوق لتوفير السيولة والاستقرار بفضل الأصول الأميركية التي تدعمها. بالمقابل، يصعب أن تحظى العملات المستقرة باليوان بمستوى مماثل من الثقة بسبب ضعف الثقة في الأسواق والجهات التنظيمية الصينية.

كما أشار محللون إلى أن الطلب على العملات المستقرة المقومة بالدولار يعكس ببساطة الطلب العالمي على الدولار، وليس العكس. وحتى إن عززت هذه العملات حيازات الأذونات الأميركية، فإنها لن تغير موقع الدولار كعملة مهيمنة في التسويات العالمية.

أخبار ذات صلة

ديفيد ساكس، قيصر الكريبتو والذكاء الاصطناعي في الإدارة الأميركية يقف إلى جانب الرئيس دونالد ترامب -23 يناير 2025

ترامب يوقع على قانون يتيح الاستثمار في العملات المشفرة ضمن خطط التقاعد

دور محدود ولكن استراتيجي

من وجهة نظر بكين، قد يساهم نجاح إصدار عملة مستقرة باليوان الخارجي في استبدال بعض المعاملات القائمة باليوان، وزيادة الإقبال على السندات المقومة به، المعروفة بـ«سندات ديم سوم» (Dim Sum Bonds)، وتحسين كفاءة التسويات. ومع ذلك، يبقى من غير المرجح أن تنافس هذه العملات الطلب القوي على الشبكات القائمة على الدولار، كما تعكسه مكانة العملات المستقرة المرتبطة به.

ومن المرجح أن يتركز الطلب المحلي على عملات مستقرة مدعومة باليوان في قطاعي التجزئة والتجارة الإلكترونية، فيما قد تتيح القوانين الجديدة في هونغ كونغ «التطبيقات الموجهة للتعامل بين الشركات». ومع ذلك، تبقى الحدود بين الإصدارات العامة والخاصة ضبابية، ما يفرض تحديات تنظيمية وتشغيلية جديدة.

لكن في المحصلة، يظل الدور الاستراتيجي لعملة مستقرة مقومة باليوان محدوداً، إذ تبقى الأصول المقومة بالدولار أكثر جذباً للمستثمرين سواء داخل النظام المالي التقليدي أو في أسواق الأصول المشفرة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف