أزمة هرمز تكشف مخاطر الاعتماد على النفط ومسار تصدير واحد
الاستدانة تواجه قيوداً والتقشف وخفض الإنفاق أبرز الخيارات

تواجه موازنة العراق لعام 2027 ضغوطاً مالية متصاعدة، قبل طرحها للمناقشة في أكتوبر المقبل، مع عجز متوقع بنحو 64 تريليون دينار (نحو 48 مليار دولار)، فيما تضيف أزمة مضيق هرمز مخاطر جديدة على تدفقات النفط، المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة، وتضع الحكومة أمام اختبار صعب لتأمين التمويل وضبط الإنفاق.
ويؤكد مستشار حكومي عراقي، تحدث لـ«إرم بزنس»، أن «السؤال الأهم في موازنة 2027 ليس فقط: كم يبلغ العجز، بل ما الذي يمول هذا العجز، وإلى أين تذهب الأموال المقترضة؟»، مشدداً على أن «المشكلة تبدأ عندما يتحول العجز إلى وسيلة لتمويل النفقات الجارية المتكررة، دون أن يقابله نمو في الأصول والإنتاج والإيرادات غير النفطية»، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على تفادي ذلك.
في المقابل، يعتقد خبراء اقتصاد في العراق، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، بصعوبة معالجة العجز المتوقع في ظل الظروف المالية العراقية وأوضاع سوق النفط العالمية، سواء عبر الاستدانة الداخلية أو الخارجية، متوقعين التركيز على أولويات، بينها تأمين الرواتب والأجور، وخفض الإنفاق الاستثماري، والاعتماد على سياسات تقشفية داخل المؤسسات الحكومية، لتقليل العجز المتوقع، مع عدم استبعاد وصوله إلى 60 تريليون دينار أو أقل، شريطة حدوث تقشف حكومي حقيقي وزيادة الإيرادات غير النفطية.
وكان محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر أعلن أواخر أغسطس الماضي تراجع الاحتياطي النقدي من 109 مليارات دولار إلى 77.5 مليار دولار، بانخفاض بلغ 31.5 مليار دولار، نتيجة إغلاق مضيق هرمز والتبعات الاقتصادية المترتبة على ذلك، مشيراً إلى أن معظم الأموال المصروفة ذهبت إلى تغطية رواتب الموظفين.
وفي 14 سبتمبر الجاري، أفاد عضو اللجنة المالية النيابية في مجلس النواب العراقي جمال كوجر، في تصريحات صحفية، بأن وزير المالية فالح ساري أبلغ اللجنة بأن مشروع قانون الموازنة سيصل إلى مجلس النواب في 15 أكتوبر المقبل، مؤكداً أن سعر برميل النفط في الموازنة لم يُحسم بعد، وأن المقترحات تتراوح بين 50 و65 دولاراً للبرميل، مع وجود اختلاف في الرأي بين شركة تسويق النفط «سومو» والحكومة بشأن السعر المعتمد.
وأواخر أغسطس الماضي، كشفت صحيفة «الصباح» العراقية الحكومية أن الحكومة تخطط لاعتماد سعر افتراضي يتراوح بين 60 و70 دولاراً لبرميل النفط العراقي، لتحديد الإيرادات المتوقعة في موازنة 2027.
وآنذاك، قال المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة العراقية مظهر محمد صالح للصحيفة إن تقديرات العجز تستند إلى الرقم الافتراضي الوارد في الموازنة الثلاثية (3 أعوام بين 2023 و2025)، والبالغ 64 تريليون دينار.
فيما رجح كوجر، في تصريح للصحيفة ذاتها وقتها، أن يتجاوز العجز الفعلي التقديرات السابقة، بسبب انخفاض أسعار النفط ومحدودية الكميات المصدرة.
وفي حديث لـ«إرم بزنس»، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح أنه، وفق الفرضيات المطروحة، يتجه الإنفاق التشغيلي في موازنة 2027 إلى نحو 150 تريليون دينار عراقي، في حين يخصص للإنفاق الاستثماري نحو 50 تريليون دينار، أي ما يقارب ربع إجمالي الإنفاق، لافتاً إلى أن نجاح موازنة 2027 سيتوقف بدرجة كبيرة على القدرة على تحويل الـ50 تريليون دينار إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس.
وبحسب المسؤول العراقي، فإن «العجز المخطط، الذي يقترب وفق الفرضيات المطروحة من نحو 33% من إجمالي الإنفاق العام، يحتاج إلى قراءة تتجاوز الرقم المجرد»، مؤكداً أن العجز لا يكون بالضرورة مؤشراً سلبياً إذا كان موجهاً إلى استثمارات إنتاجية قادرة على خلق إيرادات مستقبلية ورفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العجز إلى وسيلة لتمويل النفقات الجارية المتكررة، دون أن يقابله نمو في الأصول والإنتاج والإيرادات غير النفطية، وفق صالح، مؤكداً أن السؤال الأهم في موازنة 2027 ليس فقط: كم يبلغ العجز، بل ما الذي يمول هذا العجز؟ وإلى أين تذهب الأموال المقترضة؟ وما العائد الاقتصادي المتوقع منها؟
ويعتقد المسؤول العراقي أنه يمكن النظر إلى موازنة 2027 كذلك بوصفها أول اختبار مالي لمرحلة ما بعد الصدمة الجيوسياسية في هرمز، موضحاً أن أزمة هرمز أثبتت أن اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط لا يمثل المشكلة الوحيدة، بل إن الاعتماد على مسار تصدير واحد يمكن أن يتحول إلى مصدر مضاعف للمخاطر.
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، والمتخصص في اقتصاديات النفط، نبيل المرسومي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن العجز المخطط البالغ نحو 64 تريليون دينار قد يتحول إلى عجز فعلي، إثر التراجع المتوقع في الإيرادات النفطية، مؤكداً أن موازنة 2027 ستواجه أوضاعاً مالية واقتصادية صعبة.
وأوضح أن تقديرات شركة «سومو» تُبنى على افتراض اقتصاد سلام محتمل قد تُقبل عليه المنطقة في 2027، بسعر نفط يتراوح بين 50 و53 دولاراً للبرميل، وصادرات تبلغ 3.5 مليون برميل يومياً، في ظل توقعات بزيادة كبيرة في الإنتاج العالمي، مما يجعل حجم الموازنة الكلي نحو 205 تريليونات دينار، منها 150 تريليوناً للنفقات التشغيلية والباقي للنفقات الاستثمارية، ويرفع العجز المقدر إلى نحو 60 تريليون دينار.
وأكد أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم العجز، بل في آليات تغطيته، في ظل محدودية أدوات الاستدانة الداخلية التي تجاوزت حاجز 114 تريليون دينار، وصعوبة الاقتراض الخارجي المشروط بفوائد مرتفعة، مع ارتفاع كلفة الرواتب والأجور التي قد تقارب 100 تريليون دينار.
وعن المتوقع، رجح المرسومي أن تضطر الحكومة إلى استخدام خيار تقليص الإنفاق الفعلي، التشغيلي والاستثماري، لعدم توفر التمويل الكافي، مما قد يقلص العجز الفعلي ليكون أدنى من المخطط له، ويهبط إلى مستويات تتراوح بين 40 و50 تريليون دينار، مشترطاً حدوث ذلك بقدرة الدولة على ضبط النفقات وتعظيم الإيرادات غير النفطية.
من جانبه، يرى عميد كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة واسط العراقية، أحمد عبدالله الوائلي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تقديرات العجز الواردة في الموازنة العامة تعد أرقاماً مبالغاً فيها، وتعتمد على تقديرات غير دقيقة، مشيراً إلى أن هذا السيناريو تكرر في الموازنات السابقة، التي انتهت فعلياً بتسجيل عجز أقل بكثير من التوقعات المعلنة.
وأوضح أن معالجة هذا العجز ترتبط بمستويات السيولة والآليات المتبعة لتغطيته، مؤكداً صعوبة حصول الحكومة على 64 تريليون دينار في ظل الظروف المالية الحالية، لما يترتب على الاستدانة من المصارف أو البنك المركزي من آثار سلبية على الاحتياطي النقدي، إلى جانب صعوبة الاقتراض الخارجي بسبب القيود المرتبطة بالتصنيف الائتماني.
وأضاف أن الأولوية القصوى للحكومة ستتركز على تأمين الرواتب والأجور لتفادي أي أزمات اقتصادية أو اجتماعية، مقابل خفض الإنفاق الاستثماري والاعتماد على سياسات تقشفية داخل المؤسسات الحكومية، تشمل تقليص الموازنات التشغيلية، ونفقات السفر والإيفاد، والمستلزمات السلعية والخدمية.