
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى التحولات الاقتصادية المتسارعة في الخليج، برزت البحرين مؤخراً بإعلانها عن استثمارات جديدة بقيمة 17 مليار دولار خلال مؤتمر «بوابة الخليج».
ولم يُنظر إلى الإعلان كمجرد إضافة رقمية إلى خطط الإنفاق، بل كخطوة تشير إلى إعادة تموضع استراتيجية تسعى من خلالها المنامة إلى تعزيز دورها كمركز مالي إقليمي قادر على جذب رؤوس الأموال الدولية وتوجيهها، بما يتجاوز حجم اقتصادها وحدودها الجغرافية.
ومن دبي مركزاً للتجارة، والرياض محوراً للإصلاح الاقتصادي، وأبوظبي قاعدة للصناديق السيادية، يجد الخليج اليوم في المنامة بيئة مالية تتسم بالانفتاح والمرونة والوضوح التنظيمي، الأمر الذي يمنحها موقعاً متقدماً لدى المستثمرين الدوليين الذين يبحثون عن أسواق مستقرة يمكن التوسع فيها بثقة في ظل التقلبات العالمية المتزايدة.
يمتد دور البحرين في القطاع المالي إلى ما هو أبعد من جذب المؤسسات، إذ تعمل المملكة حالياً على تطوير بنيتها التنظيمية بما يتيح لها المشاركة في إعادة تشكيل مسارات الاستثمار الإقليمي. وتأتي المشاريع الكبرى التي أعلنت عنها، في الخدمات المالية، واللوجستيات، والبنية التحتية، والسياحة، ضمن نهج يستهدف بناء منصة اقتصادية قادرة على ربط المملكة بمراكز المال والتجارة في الشرق والغرب.
ويُعد هذا التحول امتداداً لرؤية تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع يتفاعل مع حركة رأس المال العالمية، ويقدم للمستثمر الأوروبي والبريطاني بيئة تتسم بالشفافية والتشريعات الواضحة والمعايير القانونية المألوفة.
يشكّل نهج «فريق البحرين» أحد الأعمدة المؤسسية التي تعتمد عليها المملكة في تعزيز جاذبيتها الاستثمارية. يقوم هذا النموذج على تنسيق مباشر بين الجهات الحكومية والهيئات التنظيمية بحيث يتم التعامل مع المستثمر من خلال مسار موحّد يختصر الوقت ويقلل التعقيد، ويضمن وضوحاً في المتطلبات عبر مختلف القطاعات.
ويُدار هذا النهج ضمن إطار قانوني متقدم يستند إلى القانون العام وإجراءات تحكيم معتمدة دولياً، ما يمنح المستثمر الأجنبي شعوراً بالثقة والاعتياد، ويتيح له العمل داخل بيئة تنظيمية تحاكي النظم التي يتعامل معها في أسواقه الأصلية.
النتيجة هي منظومة لا تكتفي بجذب الاستثمار، بل تمنحه قابلية التنفيذ: أي القدرة على تأسيس الأعمال، والحصول على الموافقات، وتسوية النزاعات ضمن آليات شفافة وسريعة، وهو ما يرسّخ البحرين كوجهة مالية مهيّأة للتعامل مع متطلبات رأس المال العالمي.
يتجاوز الدور الذي تؤديه البحرين في علاقتها بالأسواق الأوروبية إطار الاستثمار المباشر، ليمتد إلى تطوير البنية المؤسسية للأسواق المالية نفسها. فقد بدأت المنامة خلال السنوات الأخيرة في بناء مسارات تعاون مع هيئات رقابية ومؤسسات مالية أوروبية بهدف مواءمة المعايير المتعلقة بحوكمة الصناديق، والإفصاح، والتمويل المستدام. وهو تعاون لا ينظر إلى البحرين كسوق مقصد، بل كشريك يسهم في صياغة قواعد العمل المالي العابر للحدود داخل منطقة الخليج.
وفي هذا السياق، تبرز المملكة بوصفها إحدى الدول التي تعمل على إنشاء أطر تنظيمية مشتركة مع نظرائها الأوروبيين في مجالات متقدمة مثل الأصول الرقمية، التكنولوجيا المالية، وتمويل التحول الطاقي. هذه المجالات، التي أصبحت محور اهتمام المؤسسات الأوروبية، تمنح التعاون بين المنامة والعواصم الأوروبية بعداً يتجاوز علاقة المستثمر بالمستضيف، ليصبح تحالفاً في بناء بنية مالية مستقبلية تتسق مع المعايير الدولية.
كما تجد المؤسسات البريطانية والأوروبية في البحرين بيئة مناسبة لاختبار نماذج تنظيمية مبتكرة، بفضل الآليات الرقابية التي يشرف عليها «مصرف البحرين المركزي»، وعلى رأسها «بيئة الاختبار الرقابية» (Regulatory Sandbox)، التي تسمح بتجربة منتجات وخدمات مالية جديدة قبل طرحها على نطاق أوسع داخل المنطقة.
تتيح البحرين للمستثمرين الأوروبيين والبريطانيين مجموعة متكاملة من الفرص التي تجمع بين التمويل، وتطوير الأصول، وهيكلة الصناديق.
فمن جهة، تمثل المملكة نقطة مناسبة للتواصل مع رؤوس الأموال الخليجية، السيادية والخاصة، ما يجعلها بيئة فعّالة لتأسيس شراكات تمويلية وصناديق تستهدف أسواقاً عالمية. ومن جهة أخرى، توفر المملكة فرصاً مباشرة للاستثمار في قطاعات تشهد نمواً متسارعاً مثل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والخدمات المالية الرقمية، والسياحة المستدامة، وهي مجالات تتقاطع مع الأولويات الأوروبية في التمويل الأخضر والابتكار.
أما على مستوى تنظيم الأعمال، فتقدم البحرين إطاراً قانونياً يستند إلى القانون العام ويتيح هيكلة الصناديق وإدارة الأصول بكفاءة، وهو ما يمنح المؤسسات الأوروبية مساراً واضحاً لتأسيس كياناتها الإقليمية وتشغيلها ضمن بيئة تنظيمية مألوفة ومعايير متقدمة.