
تواصل مبادرة «الرخصة الذهبية» في البحرين تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة، بعدما استقطبت ما مجموعه 4.4 مليار دولار أميركي من الاستثمارات الجديدة ضمن أحدث مجموعة من المشاريع الكبرى. وتمثل هذه النتائج خطوة نوعية في مسار جذب رؤوس الأموال وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
كما تعكس هذه الجولة الاستثمارية، التي تغطي قطاعات التكنولوجيا والعقارات والتصنيع الأخضر، التحول التدريجي للمملكة نحو اقتصاد متنوّع قائم على الابتكار والمعرفة، قادر على تحقيق توازن مدروس بين النمو المستدام والتنافسية العالمية.
ووفق البيان الرسمي الصادر عند الإطلاق، تُمنح الرخصة للمشاريع التي تتجاوز 50 مليون دولار أميركي أو توفر أكثر من 500 وظيفة، بشرط أن تقدم قيمة مضافة عالية في قطاعات مثل التكنولوجيا المتقدمة، والتصنيع الذكي، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية.
كما تشمل المبادرة حوافز إضافية كتسريع ربط الخدمات والبنية التحتية، وإتاحة الوصول إلى برامج الدعم الوطني من «تمكين» و«بنك البحرين للتنمية»، فضلاً عن مرونة تنظيمية تسمح بمراجعة بعض الأطر القانونية لتناسب طبيعة المشاريع الاستراتيجية.
تُعدّ «الرخصة الذهبية» إحدى أبرز أدوات البحرين لتسريع وتيرة الاستثمار وتعزيز جاذبية بيئة الأعمال، أطلقتها الحكومة عبر «مجلس التنمية الاقتصادية» (EDB) ضمن جهود تنفيذ «الرؤية الاقتصادية 2030».
تم تصميمها لتكون منظومة متكاملة للتسهيلات الحكومية تمنح المستثمرين المؤهلين مزايا استثنائية تشمل تسريع إجراءات التأسيس والترخيص وأولوية في تخصيص الأراضي والمواقع الاستثمارية، إلى جانب خدمة متابعة مخصّصة من فريق المجلس لتذليل العقبات وضمان سرعة التنفيذ.
أُطلقت مبادرة «الرخصة الذهبية» في أبريل 2023 بهدف تسريع تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى في البحرين عبر تبسيط الإجراءات وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وتعكس المشاريع الأربعة الجديدة التي أُعلن عنها خلال منتدى «بوابة الخليج» الرؤية الاستراتيجية للمبادرة، والمتمثلة في ترسيخ الصناعات ذات القيمة العالية القادرة على خلق فرص عمل وتحفيز الابتكار وتوسيع الحضور الاستثماري العالمي للمملكة.
ومن المتوقع أن تساهم هذه المشاريع في توفير أكثر من 1100 فرصة عمل، ما يدعم أهداف التنويع الاقتصادي طويلة المدى. كما يُبرز تنوّعها القطاعي، من البنية التحتية السحابية إلى التطوير العقاري والتصنيع المستدام، توجه البحرين نحو اقتصاد رقمي قائم على المعرفة بعيداً عن الاعتماد على النفط.
شهد منتدى «بوابة الخليج» حضوراً واسعاً من أكثر من 200 مستثمر عالمي وقائد أعمال، اجتمعوا لبحث فرص الاستثمار عالية التأثير في المنطقة. وفي هذا الإطار، جاء إعلان المشاريع الحاصلة على الرخص الذهبية ليشكّل محطة بارزة تعكس إدراك المستثمرين لمرونة الاقتصاد البحريني وقدرته على احتضان المشاريع النوعية.
وتشمل المشاريع الجديدة المرخّصة مركز البيانات السحابية السيادية الذي تطوره شركتا «أوراكل» (Oracle) و«بيون» (Beyon) لتعزيز استقلال البحرين التقني وقدراتها في مجال البنية التحتية السحابية، إلى جانب مشروع «بناء البحرين»، وهو شراكة بحرينية–إماراتية بقيادة شركة «إيغل هيلز» (Eagle Hills) يهدف إلى تطوير مدن حضرية مستدامة تدعم خطط المملكة للتحديث العمراني.
كما تشمل المبادرات توسعة منشأة شركة «أرلا فودز» (Arla Foods) في البحرين، ما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للأمن الغذائي وبوابة تصديرية نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية، بالإضافة إلى مشروع الطاقة الشمسية لشركة «فولاذ هولدنغ» (Foulath Holding) الذي يدمج الطاقة المتجددة في العمليات الصناعية ويدعم مسيرة التحول الأخضر في الاقتصاد الوطني.
يرتكز هذا النجاح على نهج مبادرة «فريق البحرين»، وهو نموذج يقوم على التعاون المرن بين الجهات الحكومية والمستثمرين من القطاع الخاص. وقد مكّن هذا النهج المملكة من بناء منظومة استثمارية تتسم بالكفاءة والشفافية والابتكار.
وتوضح سعادة نور بنت علي الخليف، وزيرة التنمية المستدامة والرئيس التنفيذي لـ«مجلس التنمية الاقتصادية»، أن «الرخصة الذهبية ليست مجرد مبادرة، بل تجسيد لالتزام البحرين بتبسيط النمو، وتسريع النجاح، وبناء مستقبل اقتصادي مزدهر».
تُظهر جهود التنويع الاقتصادي في البحرين نتائج ملموسة؛ إذ بلغت مساهمة القطاعات غير النفطية 85.3% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، مع مساهمة القطاع المالي بنسبة 17.2% وقطاع التصنيع بنسبة 15.1%، وهما ركيزتان أساسيتان في الاقتصاد الوطني.
كما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 45.5 مليار دولار، أي ما يعادل 96.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز بكثير المتوسط العالمي البالغ 45.8%.
وتعكس هذه المؤشرات التقدّم المتواصل في تنفيذ «الرؤية الاقتصادية 2030»، التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، مدعوم ببنية تحتية رقمية متطورة وكفاءات وطنية مؤهلة.
تؤكد الاستثمارات الأخيرة أن «الرخصة الذهبية» ليست مجرد أداة لتسهيل الأعمال، بل سياسة اقتصادية تحوّلية تعيد تشكيل المشهد الاستثماري في البحرين. ومن خلال تحفيز الشراكات في القطاعات الواعدة وتعزيز مرونة المؤسسات، ترسم المملكة نموذجاً للتنمية المتنوعة يمكن للاقتصادات الصغيرة الأخرى أن تستلهمه.
وفي منطقة تتسارع فيها وتيرة التحديث، تواصل البحرين الجمع بين الواقعية والطموح، لتظل وعودها الذهبية رمزاً لاقتصادٍ يسير بثقة نحو الابتكار والاستدامة والمرونة العالمية.