خطة لرفع معدلات النمو الاقتصادي وخفض الدين والتضخم

أرسلت وزارة المالية المصرية 3 موازنات استرشادية للأعوام المالية الممتدة من 2027 إلى 2030، لمجلس النواب المصري، في خطوة تعكس توجهاً جديداً للحكومة نحو خلق إطار موازني متوسط الأجل يتضمن مستهدفات مالية استرشادية قابلة للتحديث وفق المتغيرات الاقتصادية.
وكشفت وثيقة حكومية اطلعت عليها «إرم بزنس»، عن الملامح الرئيسية والافتراضات الاقتصادية للموازنات الثلاث، والتي تشمل معدلات النمو المتوقعة، ومستويات التضخم المأمولة، ومتوسط سعر الفائدة على دين أجهزة الموازنة، ونسبة العجز الكلي قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي، وخطة خفض دين أجهزة الموازنة العامة.
وفق الوثيقة، تسعى الحكومة المصرية إلى مواصلة خفض دين أجهزة الموازنة تدريجياً خلال السنوات المقبلة، وهو ما يُتوقع أن ينعكس إيجاباً على مؤشرات استدامة المالية العامة، وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات والتقلبات التي قد يتعرض لها الاقتصاد المحلي والعالمي في المستقبل.
وتشير الوثيقة إلى أن تراجع مستويات الدين سيسهم في تحسين تنافسية الاقتصاد المصري، عبر تهيئة بيئة مواتية لخفض معدلات التضخم وأسعار الفائدة، بما يدعم زيادة استثمارات القطاع الخاص، ويعزز من وتيرة خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.
تستهدف الحكومة المصرية تحقيق معدل نمو اقتصادي قدره 5.3% خلال العام المالي المقبل 2026/2027، والذي يمتد من شهر يوليو المقبل، وحتى شهر يونيو من العام المقبل 2027.
وفي العام المالي الأول للإطار الموازني الجديد (2027/2028)، تتطلع مصر لرفع معدل النمو الاقتصادي إلى 5.7%، ثم 5.9% في (2028/2029)، و6.2% في (2029/2030).
وتتوقع الحكومة المصرية تباطؤ النمو الاقتصادي للبلاد إلى ما بين 4.9% و5.1% خلال العام المالي الحالي، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مقارنة مع توقعات سابقة عند 5.2%، وفق ما أعلنه وزير التخطيط أحمد رستم، نهاية مارس الماضي.
كشفت الوثيقة عن استهداف وزارة المالية المصرية خفض معدلات التضخم في البلاد من متوسط متوقع يبلغ 11.5% خلال العام المالي المقبل، إلى نحو 9% في العام المالي 2027/2028.
أما العام المالي الثاني في الإطار الموازني الجديد (2028/2029)، فاستهدفت فيه وزارة المالية خفض معدل التضخم إلى 8%، وتوقعت أن ينخفض في العام الثالث إلى 7.5%.
وفي بداية أبريل الحالي، قال البنك المركزي المصري في بيان، إن مسار التضخم ومستهدف البنك المركزي المصري البالغ 7% (± 2 نقطة مئوية) بنهاية عام 2026 في المتوسط عُرضة لمجموعة متزايدة من المخاطر الصعودية، بما في ذلك احتمالية استمرار الحرب الإيرانية لفترة أطول وتجاوز أثر إجراءات ضبط الأوضاع المالية للتوقعات.
إلى ذلك، رجحّت الوثيقة انخفاض ملحوظ في تكلفة الاقتراض خلال السنوات الثلاث للإطار الموازني الجديد، إذ كشفت التقديرات عن توقعات وزارة المالية بانخفاض متوسط سعر الفائدة على دين أجهزة الموازنة من 17% في العام المالي المقبل إلى 14% في العام المالي 2027/2028.
أما العام المالي الثاني للإطار الموازني، فتوقعت فيه الوزارة تراجع متوسط سعر الفائدة إلى 12%، واستقراره في العام الثالث عند نفس المستوى.
كما رجّحت الوثيقة استقرار العجز الكلي نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى 4.9% خلال الأعوام المالية الأربعة المقبلة.
كشفت الوثيقة عن خطة الحكومة المصرية لخفض دين أجهزة الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي من مستوى 75.5% في 2026/2027 إلى 72% في العام المالي الأول للإطار الموازني الجديد.
وفي العام الثاني توقعت الحكومة المصرية خفض الدين إلى 70% من الناتج المحلي، فيما رجحت تراجعه إلى 68.4% في 2029/2030.
وفي وقت سابق، قال وزير المالية المصري أحمد كجوك إن بلاده تعمل حالياً على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى 78%، وتقليص الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بما يتراوح بين مليار وملياري دولار سنوياً، إلى جانب خفض عبء مدفوعات الفوائد بنسبة 1% من الناتج المحلي.
من جانبه، اعتبر عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع محمد أنيس، أن إعداد مصر لثلاث موازنات استرشادية خطوة إيجابية ومهمة في اتجاه تطوير إدارة المالية العامة.
أنيس أوضح لـ«إرم بزنس» أن الموازنات التقليدية كانت تقتصر على أفق زمني لا يتجاوز 12 شهراً، ما يحد من وضوح الرؤية أمام المستثمرين بشأن توجهات الدولة المستقبلية، سواء فيما يتعلق بالإنفاق على الأجور أو دعم الطاقة أو مستهدفات النمو والعجز.
ورأى أن التحول إلى إطار موازني متوسط المدى يمتد لثلاث سنوات، يمنح صورة أكثر شمولاً واستقراراً عن السياسات الاقتصادية المرتقبة، مضيفاً «أهمية هذا التوجه لا تكمن فقط في عرض المؤشرات الكلية، بل في إرسال إشارات واضحة للمستثمرين حول أولويات الدولة على المدى المتوسط».
وأوضح أنه «في حال إعلان الحكومة، على سبيل المثال، زيادة الإنفاق على التعليم الفني، فإن ذلك يشجع المستثمر الصناعي على ضخ استثماراته، لثقته في توافر العمالة المؤهلة. وبالمثل، فإن التوسع في الإنفاق على البنية التحتية الرقمية يعزز جاذبية الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا ومراكز البيانات».
وأشار إلى أن تطبيق إطار موازني متوسط المدى في مصر إجراء طال انتظاره ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي، موضحاً أن هذه الفكرة طُرحت لسنوات طويلة، إلى جانب موازنة البرامج والأداء، دون أن يتم تنفيذها بالشكل الكامل، رغم كونها من المتطلبات الأساسية لتحديث الإدارة المالية.
إلى ذلك اعتبر أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة، الإطار الموازني الجديد خطوة ضمن رؤية الدولة المصرية لمرحلة ما بعد الاتفاق مع «صندوق النقد الدولي»، والذي ينتهي ديسمبر المقبل.
بدرة قال لـ«إرم بزنس» إن المرحلة التالية لانتهاء برنامج صندوق النقد مع مصر ستشهد إطلاق برنامج اقتصادي وطني متكامل يتضمن تصوراً واضحاً لأولويات العمل خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن الدولة المصرية وضعت رؤية واضحة تمتد حتى عام 2030، تستهدف تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة تقترب من 7%، وربما تتجاوزها.
وأشار إلى أن هذه التقديرات تظل مرهونة بقدرة الاقتصاد على تنفيذ المستهدفات على أرض الواقع، بما قد يؤدي إلى زيادتها أو انخفاضها وفقاً للظروف.
وقبل أيام، قال «صندوق النقد الدولي» في تقرير مفصل حول المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج دعم مصر، إنه سيجري المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي لمصر في 15 يونيو المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، منها 136 مليون دولار ضمن قرض برنامج المرونة والاستدامة.
وفق الصندوق، سيتم إجراء المراجعة الثامنة والأخيرة في 15 نوفمبر المقبل، لصرف 1.65 مليار دولار، منها نحو 136 مليون دولار ضمن برنامج المرونة والاستدامة.
قال بدرة إن تحقيق المستهدفات الاقتصادية التي تضمنها الإطار الموازني الجديد، ستدفع النمو الاقتصادي للبلاد لمستوى 6.5% أو أكثر، بما ينعكس بشكل واضح على قوة الاقتصاد المصري.
وأضاف «نجاح الحكومة في تحقيق مستهدفات الإطار الموازني سيسفر عن نتائج اقتصادية قد تكون أفضل مما نتخيل.. لكن الأمر يرتبط بالتنفيذ الفعلي».
وحدد أستاذ التمويل والاستثمار محورين رئيسيين لدفع معدلات النمو الاقتصادي، يتمثل الأول في زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فيما يتضمن الثاني إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية، وعلى رأسها إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، والتي يُقدر عددها بنحو 12 ألف مصنع.
وفيما يخص مستهدفات التضخم، أوضح بدرة أن خفضه إلى مستويات تدور حول 7.5% يرتبط بشكل مباشر بتحسن القوة الشرائية للعملة المحلية، وهو ما يتطلب تحسناً شاملاً في المؤشرات الاقتصادية، وعلى رأسها زيادة الاستثمارات والتصدير وتعزيز الإيرادات الدولارية.
من جانبه، اعتبر أنيس أن تحقيق معدل نمو اقتصادي يدور حول 6% بنهاية مدة الإطار الموازني يُعد أمراً قابلاً للتطبيق، وكذلك الوصول بمعدل التضخم إلى نحو 7.5%، فيما أبدى تحفظه بشأن مستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 68%، والذي وصفه بالصعب.
وأكد على ضرورة توحيد الخطاب الحكومي فيما يتعلق بحجم الدين، بحيث يتم التعامل مع إجمالي الدين السيادي للدولة، وليس فقط دين أجهزة الموازنة العامة، وقال إن تجزئة الأرقام بين جهات مختلفة قد تعطي صورة غير دقيقة عن الوضع الحقيقي للمديونية، كما أن المستثمرين يهتمون بالصورة الكلية للدين السيادي وليس بتوزيعه الداخلي.