
تُعدّ العناصر النادرة من أهم المواد الخام في العالم، إذ تدخل في صميم التقنيات التي يعتمد عليها نمط الحياة الحديثة. ومع ذلك، لم تكن معروفة على نطاق واسع قبل أن تشعل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين الأضواء عليها، لتتحول إلى إحدى أدوات الصراع الاقتصادي بين القوتين العظميين، بحسب بلومبيرغ.
تحمل هذه العناصر أسماء غامضة مثل «الغادولينيوم» و«الدايسبروسيوم»، وتُستخدم في قطاعات متعددة تشمل الرقائق الإلكترونية والهواتف الذكية وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وعلاجات السرطان، كما ازدادت أهميتها في السنوات الأخيرة بفضل دورها في تقنيات الطاقة النظيفة وخفض انبعاثات الكربون.
يعتمد العالم منذ عقود على الصين كمصدر رئيسي للعناصر النادرة، وهو ما استخدمته بكين كورقة ضغط في مواجهة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقد استغلت الصين هيمنتها على سلاسل الإمداد لتقييد صادرات هذه العناصر رداً على السياسات التجارية الأميركية.
وقد شكّل رفع هذه القيود محوراً رئيسياً في المفاوضات بين الجانبين، حيث توصلا في يونيو إلى اتفاق مبدئي لإعادة فتح تدفق الشحنات. لكن قبل القمة المتوقعة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في أكتوبر، أعلنت بكين عن قيود جديدة تُلزم الشركات الأجنبية بالحصول على تراخيص تصدير لأي منتجات تحتوي – ولو على كميات ضئيلة – من العناصر النادرة ذات المنشأ الصيني.
تشير بيانات «الوكالة الدولية للطاقة» إلى أن الصين تهيمن على نحو 70% من إنتاج العناصر النادرة المستخدَمة في صناعة المغناطيسات مثل «النيوديميوم» و«البرسيوديميوم» و«الدايسبروسيوم» و«التيربيوم».
تتكون هذه الفئة من 17 عنصراً معدنياً تتميز بخصائص كيميائية متشابهة، تجعلها مثالية لتطبيقات متنوعة بفضل خواصها المغناطيسية والبصرية والكهربائية.
فعلى سبيل المثال، يتيح «التيربيوم» و«الإيتريوم» الألوان الزاهية لشاشات الهواتف والتلفزيونات، بينما يُستخدم «السيريوم» في المحولات الحفزية لتنقية انبعاثات السيارات. أما «النيوديميوم» و«البرسيوديميوم» فيُستخدمان في إنتاج محركات مغناطيسية دائمة تُشغّل السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح.
ورغم أن اسمها يوحي بالندرة، فإن هذه العناصر ليست نادرة فعلاً في القشرة الأرضية، بل إن بعضها أكثر وفرة من معادن مثل القصدير والرصاص. المشكلة تكمن في صعوبة العثور على تركيزات عالية منها تجعل استخراجها مجدياً اقتصادياً. كما أن عمليات التعدين تستهلك كميات كبيرة من المياه والطاقة وقد تلوث التربة والمياه الجوفية، لأنها غالباً ما ترتبط بعناصر مشعة مثل اليورانيوم والثوريوم.
كانت الولايات المتحدة المنتج الأول للعناصر النادرة من ستينيات القرن الماضي حتى ثمانينياته، قبل أن تنتزع الصين الصدارة بفضل عمليات استخراج منخفضة التكلفة مكّنتها من إغراق الأسواق بأسعار تنافسية والسيطرة على سلسلة الإمداد العالمية.
ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، أنتجت الصين نحو 270 ألف طن من هذه العناصر في عام 2024، أي ضعف إنتاجها قبل خمس سنوات، مقابل 45 ألف طن فقط للولايات المتحدة.
تحتوي الصين أيضاً على نحو نصف الاحتياطي العالمي القابل للاستخراج اقتصادياً، بما يعادل 44 مليون طن، أي أكثر من ضعف احتياطيات البرازيل، التي تحتل المرتبة الثانية. أما الولايات المتحدة فتأتي في المركز السابع، باحتياطيات تبلغ 1.9 مليون طن فقط، مع قدرات محدودة جداً على التكرير، إذ يُضطر معظم المنتجين إلى إرسال المواد الخام إلى الصين لمعالجتها.
أدركت الصين مبكراً قيمة تفوقها في هذا المجال، إذ قال الزعيم دنغ شياو بينغ عام 1992 إن «الشرق الأوسط يملك النفط، أما الصين فلديها العناصر النادرة». وقد استخدمت بكين هذا النفوذ عام 2010 عندما أوقفت صادراتها إلى اليابان لمدة شهرين بسبب نزاع بحري، مما دفع طوكيو إلى تقليص اعتمادها على الصين جزئياً فقط.
ومع تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة بشأن أشباه الموصلات، شددت الصين في أواخر 2023 قيودها على تصدير التقنيات المستخدمة في معالجة هذه العناصر، مما عزز سيطرتها على عمليات التكرير. كما استخدمتها وسيلة للرد على الرسوم الأميركية وعلى القيود المفروضة على صناعة الرقائق.
وفي أبريل الماضي، أضافت الصين سبعة عناصر نادرة ومغناطيسات دائمة إلى قائمة المواد الخاضعة للرقابة على الصادرات، لتُلزم الشركات بالحصول على تراخيص خاصة لتصديرها، في خطوة مشابهة لتقييد صادرات معادن استراتيجية أخرى مثل «الغاليوم» و«الجرمانيوم» و«الغرافيت».
تسببت هذه القيود في اضطرابات لدى شركات أميركية وأوروبية، إذ اضطرت شركة «فورد» إلى إغلاق مصنع مؤقتاً في شيكاغو بسبب نقص المغناطيسات النادرة، كما واجهت مصانع أوروبية توقفات في الإنتاج.
وخلال جولة المفاوضات التجارية في يونيو، وضعت واشنطن استئناف تدفق هذه المواد على رأس أولوياتها، لكن الصين أعلنت في أكتوبر إجراءات جديدة أكثر تشدداً، بذريعة الأمن القومي، تلزم الشركات الأجنبية بالحصول على تراخيص إذا كانت منتجاتها تحتوي على أكثر من 0.1% من العناصر النادرة الصينية أو تُستخدم فيها تقنيات صينية تخص التعدين أو التكرير أو صناعة المغناطيسات.
تعتمد الولايات المتحدة على الصين لتوفير 70% من وارداتها من العناصر النادرة، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً لأمنها القومي، خصوصاً أن إنتاج طائرة «إف-35» المقاتلة يتطلب أكثر من 400 كيلوغرام من هذه العناصر.
ولمواجهة هذا الاعتماد، وقّع الرئيس ترامب في مارس مرسوماً يفعّل «قانون الإنتاج الدفاعي» لتوسيع عمليات استخراج ومعالجة المعادن الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة، وتقديم التمويل والقروض لتسريع المشاريع الجديدة. كما أمر بإجراء تحقيق لتقييم المخاطر على الأمن القومي وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى فرض رسوم إضافية.
غير أن النتيجة الفورية لهذه الخطوات محدودة، إذ لا يوجد سوى منجم واحد نشط في البلاد هو «ماونتن باس» بولاية كاليفورنيا، وتشغيل مشاريع جديدة سيستغرق سنوات. وفي يوليو، استثمرت وزارة الدفاع 400 مليون دولار في شركة «إم بي ماتيريالز» المشغّلة للمنجم، لتصبح أكبر مساهم فيها وتموّل إنشاء مصنع جديد لإنتاج المغناطيسات.
كما تسعى واشنطن لتأمين موارد خارج حدودها، من بينها احتياطيات غرينلاند الغنية بالعناصر النادرة، واتفاقيات مبدئية مع أوكرانيا لاستغلال معادنها الاستراتيجية، رغم محدودية احتياطياتها القابلة للاستثمار التجاري.